بات عُرفاً أن تمدّ الدولة يدها إلى جيب المواطن لسدّ عجزها في مختلف المجالات. وفي غياب المحاسبة الفعلية، تُختَتَم الملفّات بالتوافق السياسي، "ويا دار ما دَخَلك شرّ"، فتُطوى الصفحات، بانتظار فضيحة جديدة ليداريها المواطن مرّة أخرى. وآخر العورات فضيحة الهواتف الخلوية والأجهزة التي دخلت لبنان ووضعت على شبكة الاتصالات، من دون دفع رسومها الجمركية. ولإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، استُدعِيَ المواطن لسدّ العجز. أمّا التحقيقات، فأحيلَت إلى موعد غير محدَّد، تحت عباءة الوزارات والإدارات والأجهزة الرقابية المعنية. تعود جذور الأجهزة الموجودة على الشبكة من دون دفع رسومها الجمركية، إلى العام 2019، وفق ما بيّنته وزارة الاتصالات التي خلصت في تحقيقاتها إلى وجود نحو 215 ألف جهاز IMEI يعمل على الشبكة اللبنانية من دون أن تكون تعرفتها الجمركية محددة أو مسددة، وذلك منذ كانون الثاني من ذلك العام. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الـIMEI هو رقم تعريف يعطى لكل جهاز يتصل بشبكة الاتصالات، ومنها الهواتف الخلوية والراوتر والمودم، وغيرها،، أي هو بمثابة رقم هوية للجهاز. وبالتالي فإنّ الـ215 ألف جهاز، ليست كلّها هواتف خلوية. وتشير مصادر في وزارة الاتصالات إلى أنّ "الملف كُشِفَ بعد ملاحظة وزارة المالية أنّ إيرادات وزارة الاتصالات تراجعت. فقام وزير الاتصالات شارل الحاج بفتح تحقيق في ذلك، مقارناً عائدات الجمارك من الأجهزة بعدد تلك الموضوعة على الشبكة، ليتبيّن وجود ذلك العدد من الأجهزة التي لم تُستوفَ رسومها الجمركية، وبالتالي حرمت الخزينة من قيمة تلك الرسوم". وتكشف المصادر خلال حديث لـ"المدن" أنّ المشكلة لا تكمن فقط بعدم استيفاء الرسوم الجمركية لتلك الأجهزة، بل أيضاً "هناك تلاعب بأنواع الأجهزة. فمثلاً، تظهَر على الشبكة أنواع أجهزة باتت قديمة ويفترض أنّها غير مفعَّلة، فمن غير المنطقي أن تكون على الشبكة، لكنها كذلك. فهذا يعني وجود تلاعب في أنواع الأجهزة التي دخلت إلى لبنان". الأجهزة المقصودة تعمل اليوم في السوق بشكل طبيعي، ووجودها على الشبكة بعد مسار يمتد من المستورد إلى المستهلك، يعني بالنسبة للمستهلك أنّها أجهزة شرعية مَرَّت عبر الجمارك، وتالياً لا تحتاج إلى دفع رسومها الجمركية بعد نحو 3 أشهر من تفعيلها، تفادياً لإخراجها عن الشبكة. وسمحَت الفترة الزمنية الطويلة (منذ العام 2019) للمستهلكين، من التأكّد تلقائياً من أنّ أجهزتهم شرعية، لأنها لا زالت على الشبكة. ومع ذلك، فوجىء أصحاب الأجهزة برسائل نصية من وزارة الاتصالات تفيد بـ"ضرورة التوجّه إلى أحد مراكز ليبان بوست أو إلى دائرة الرزم والطرود البريدية في مطار رفيق الحريري الدولي خلال مهلة 30 يوماً، لتسوية أوضاع أجهزتهم وإعادة تفعيلها وفق الأصول"، بحسب بيان الوزارة الذي لم يُشِر إلى أنّ أصحاب الأجهزة أبدوا امتعاضهم من إلزامهم دفع الرسوم، وركّز على أنّ المواطنين تقدّموا بشكاوى "عبّروا فيها عن استيائهم من الاكتظاظ في بعض مراكز ليبان بوست، لدى قيامهم بتسديد الرسوم". منذ كانون الثاني 2019 تولّى وزارة الاتصالات 4 وزراء، بدءاً من محمد شقير، طلال حواط، جوني القرم، وصولاً إلى شارل الحاج الذي فتح الملف. ورغم مرور نحو 7 سنوات على وجود تلك الأجهزة في السوق وعلى الشبكة، بقيَت القضية مخفية عن الأنظار، ولم يكشف أحد كيف دخلت هذه الأجهزة من دون دفع رسومها الجمركية، وكيف بيعَت بأسعار تتضمّن الرسوم غير المدفوعة، وكيف وُضِعَت على الشبكة. علماً أنّ وضع الأجهزة على الشبكة يفترض أن يتم، بحسب المصادر، "بناءً على جداول تُرسَل من المالية إلى الاتصالات، استناداً إلى البيانات الجمركية، تفيد بأنّ هذه الأجهزة استوفت رسومها الجمركية وباتت جاهزة لوضعها على الشبكة". وبما أنّ رسوم تلك الأجهزة غير مستوفاة، فهذا يفترض أنّ أرقامها التسلسلية لم تذهب من المالية إلى الاتصالات، فكيف وُضِعَت على الشبكة من قِبَل وزارة الاتصالات، وكيف لم ينتبه أكثر من وزير لوجود فوارق مالية تحيل إلى وجود عدد من الأجهزة غير المجمركة على الشبكة؟ الإجابة عن هذه التساؤلات تحيل إلى وجود أيادٍ خفيّة سهّلت وصول الأجهزة إلى السوق ثم إلى الشبكة وغطَّت عملية تعقّبها أو ملاحظة وجود خطب ما في عدد الأجهزة الموجودة على الشبكة، مقارنة بعدد الأجهزة المدفوعة الرسوم. ومن زاوية تقنية، يقول مدير قسم الإعلام في منظمة سمكس، عبد قطايا (سمكس هي منظمة تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان في الفضاءات الرقمية) إنّ "وضع تلك الأجهزة على الشبكة، لا بدّ من أن يتم عبر موظّفين في وزارة الاتصالات. وهذه الخطوة أفضَت إلى هدر بملايين الدولارات على مدى سنوات". ورغم أنّ الخلل الأساسي حصل في المسار المتعلّق بأجهزة وإدارات ووزارات الدولة، تريد الدولة إنهاء الملف على حساب أصحاب الأجهزة من خلال دفع الرسوم الجمركية مرة ثاني