منذ وقف إطلاق النار، لم يكتفِ الجيش الإسرائيليّ بخرق الاتفاق، بل وسّع نطاق سيطرته إلى عشر بلدات جنوبيّة لم تكن مدرجة ضمن المنطقة الأمنيّة التي أقامها، أو ما سمّاه "الخطّ الأصفر". وهي كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وبيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، وحاريص، ومجدل زون، والمنصوري، وبيوت السياد. لكنّ هذه البلدات لا تخضع لنمط عسكريّ واحد. ففي ثمانٍ منها، سُجّلت عمليات دخول أو تفجير ميدانيّ وتحريك آليّات. أمّا في النبطية الفوقا وعيتا الجبل، ففرضت إسرائيل سيطرة بالنار من المواقع المحيطة، ومنعت الحركة والعودة من دون انتشار دائم داخل الأحياء. إذًا، لا تتعلّق المسألة بعشرة خروقات متفرّقة. ثمّة عمليّة قضم مترابطة. تبدأ بالتوغّل، يليها تدمير المنازل والطرق، ثمّ إفراغ المنطقة من سكّانها وإخضاعها للنار. وفي مرحلة لاحقة، تُرفع السواتر وتُبنى الدِشم، ويحتاج كلّ موقع جديد إلى نطاق حماية إضافيّ. هكذا تتّسع رقعة السيطرة من دون إعلان ضمّ، ويتحوّل "الخطّ الأصفر" من نطاق عسكريّ يفترض أنّه مؤقّت إلى حدود إسرائيليّة متحرّكة داخل الأراضي اللبنانيّة. الخريطة الجديدة لا تُرسَم بخطّ مستقيم، بل عبر نقاط متباعدة ومترابطة. من المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد غربًا، إلى بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وعيتا الجبل وحاريص وسطًا، وصولًا إلى كفرتبنيت والنبطية الفوقا ومرتفعات علي الطاهر. وبين هذه النقاط، تعمل إسرائيل، وفق معطيات ميدانيّة، على إنشاء مواقع ثابتة في زوطر الشرقيّة وأرنون ويحمر، ورفع دِشم وسواتر ترابيّة لا توحي بأنّها تتصرّف كقوّة تستعدّ للمغادرة. حتّى تاريخ 19 آب، وثّقت مصادر أمنيّة، توسّع السيطرة الإسرائيليّة في ثماني بلدات بعد وقف إطلاق النار. وشملت اللائحة كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وبيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، ومجدل زون، والمنصوري. وتراوحت العمليات بين التوغّل البرّي، والتفجيرات، وفرض حظر تجوّل بالنار، ومنع المدنيين من العودة. لاحقًا، دخلت الدبّابات والجرافات الإسرائيليّة إلى حاريص، بعدما تجاوزت "الخطّ الأصفر". وتقدّمت إلى داخل البلدة، وجرّفت طريقًا يفصل أحد أحيائها عن المركز، ما دفع سكّانه إلى المغادرة. لم تكن العملية اقترابًا من الأطراف، بل دخولًا ميدانيًا موثّقًا، رفع العدد إلى تسع بلدات، وأثبت أنّ إسرائيل لا تتعامل مع "الخطّ الأصفر" بوصفه سقفًا لتحرّكها، بل نقطة انطلاق قابلة للتجاوز. ومع انتقال العمليات إلى بيوت السياد، وحرق المنازل ونسف المباني فيها، ارتفع العدد إلى عشر بلدات. وأصبحت بيوت السياد امتدادًا مباشرًا لمحور المنصوري ومجدل زون، لا حادثة منفصلة عنه. فالبلدات الثلاث تقع ضمن نطاق جغرافيّ واحد، وتعرّضت لعمليات متشابهة تقوم على إبعاد الأهالي، والنسف، وإحراق الممتلكات، وفرض السيطرة بالنار. أمّا العمليات عند قلعة دوبيه، فتُسجّل بوصفها توغّلًا إلى أطراف شقرا، لا دخولًا إلى البلدة نفسها. كذلك، لا تُضاف كونين إلى العدد الأساسيّ، على الرغم من عمليات التفجير والتحرّكات العسكريّة التي شهدتها، لعدم توافر معطيات كافية تسمح بتصنيفها ضمن نطاق التوسّع الجديد. وهذا التفريق ضروريّ، لأنّ الخلط بين مركز البلدة وأطرافها، أو بين التوغّل والقصف، يضعف دقّة الخريطة. في القطاع الغربيّ، تبرز المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد. ولا تكمن أهميّة هذا المحور في قربه من الحدود فقط، بل في إشرافه على الساحل والطريق المؤدّية إلى صور والناقورة. تعرّضت المنصوري لسلسلة متواصلة من التفجيرات والتجريف. وبلغت نسبة الدمار فيها، وفق تقديرات بلديّتها، نحو 90 في المئة. وبعد إبعاد الأهالي، تحوّلت البلدة الزراعيّة والسياحيّة إلى مساحة شبه فارغة. واستمرّت عمليات النسف، وتدمير المنازل والبساتين والآبار، بما يتجاوز استهداف بنية عسكريّة محدّدة إلى تعطيل شروط العودة والحياة. وفي مجدل زون، نُفّذت تفجيرات متكرّرة بعد دخول القوّات الإسرائيليّة إليها. أمّا بيوت السياد، فتحوّلت إلى امتداد للعملية نفسها، مع إحراق المنازل ونسف المباني وإطلاق النار. وبذلك، تتشكّل في الغرب مساحة ضغط واحدة، هدفها توسيع نطاق السيطرة حول الساحل وإفراغ محيطه السكّاني. في القطاع الأوسط، تبدو الخريطة أكثر تشعّبًا. فقد دخلت القوّات الإسرائيليّة إلى بيت ياحون وبرعشيت وحداثا وحاريص، فيما فرضت سيطرة ناريّة على أطراف عيتا الجبل. وتلامس هذه البلدات مسارات وادي السلوقي، وتتحكّم بجزء من شبكة الطرق التي تربط بنت جبيل وتبنين بمحيط النبطية. لذلك، لا تعني السيطرة على طريق أو مرتفع في هذا المحور مكسبًا محليًّا فحسب. فهي تسمح بمراقبة الحركة بين البلدات، وقطع الطرق الفرعيّة، وعزل الأحياء، وفرض حظر تجوّل بالنار على مساحة تتجاوز مكان وجود القوّات نفسها. أمّا المحور الثالث، فيمتدّ من كفرتبنيت والنبطية الفوقا إلى مرتفع