تكشف مسارعة واشنطن إلى مباركة إعلان "حل قسد" واعتباره إنجازاً تاريخياً عن خطوة استباقية لقطف الثمار، وفي الوقت نفسه تحديد الخطوط الحمراء الأميركية الجديدة التي يتعين على كل من دمشق وقوات سوريا الديمقراطية الالتزام بها. في الشكل تبدو "المعادلة الأميركية الجديدة"، التي تولى المبعوث توم باراك تسويقها كنتيجة لجهد بذله الرئيس دونالد ترامب، بمثابة رسالة واضحة لأطراف اللعبة في سوريا بأن مظلة الرعاية حالياً هي أميركية بامتياز، وتقوم على معادلة ثلاثية، وحدة المؤسسات السورية، دمج الأكراد واستمرار النفوذ الأميركي كضرورة لمواجهة تنظيم "داعش" تحت ستار محاربة الإرهاب. وعليه فإن الرؤية الأميركية الظاهرة هي سوريا موحدة بمؤسساتها المدنية والعسكرية، ولا شرعية خارج إطار الدولة. لكن في باطن الأمور فإن مباركة باراك بمصطلحاتها ومفرداتها، تؤكد أن دور واشنطن في سوريا لم ينتهِ، وتشي بأن الإدارة الأميركية لا تزال على عهد الوفاء لحلفائها، وهنا بدت كلمات باراك حول "الدمج المنظم"، وإشادته بانضمام قيادات كردية، وتحديداً مظلوم عبدي وإلهام أحمد اللذين خصّهما بالإسم، إلى مؤسسة الحكم في دمشق، وكأنها وقوف على خاطر القيادات الكردية. وهذا ليس من قبيل الصدفة، لأنه جاء بعد شهور على التصعيد العسكري بين "قسد" والسلطات السورية، ووجهت وقتها انتقادات لأداء واشنطن بالتعامل مع الملف الكردي، وعليه عاد البيت الأبيض إلى مفهوم "شراكة القيمة" مع شخصيات يجب أن تحظى بـ"أدوار جوهرية"، داخل السلطة السورية، بحسب باراك، وفي ذلك نوع من التعويض عن اتهام واشنطن بالتقاعس عن نصرة حلفائها الأكراد عندما كانوا في أمس الحاجة لها. نهاية الهيكل وبداية الانتقال انتهت "قسد"، عسكرياً كـ"هيكل مستقل"، ومدنياً كـ"إدارة ذاتية"، أما عملياً فانتقلت قياداتها من ميدان القتال إلى رحاب قصر الحكم لتتغطى بلحاف الدولة. وبذلك كسبت دمشق اعترافاً ضمنياً من الأكراد وأميركا بسلطتها، وبسطت سيادتها على كامل الجغرافيا السورية باستعادة السيطرة على الأرض والنفط، فباتت قادرة على دعم سردية توحيد سلمياً، فيما حصل الأكراد على مناصب سياسية وضمانات بعدم الملاحقة واعتراف بالحقوق. هذا ما أوضحه باراك بالحديث عن الاعتراف باللغة الكردية في التعليم وتأمين أدوار قيادية للأكراد، كـ"تقدير مستحق لقياداتهم، ولتضحيات شركائنا الأكراد"، ومساهمتهم "بتحويل الانقسامات التي كانت بالأمس إلى غاية مشتركة في الغد". أما واشنطن فقد نالت حصة الأسد: وجود عسكري واقتصادي عبر النفوذ والقواعد يمكن استخدامه ضد إيران وروسيا وإحباط أي عملية لإنتاج محاور جديدة في سوريا، والظهور بصورة "صانع السلام"، وهذا ما يرغب به ترامب نفسه. وبعيداً عن الأكراد ودمشق وواشنطن، ثمة أطراف إقليمية ترصد المشهد، على رأسها تركيا التي تعتبر أن ما حصل هو "نهاية قسد" إلى غير رجعة، وثانيها إيران التي تنظر إلى "الإنجاز" باعتباره التفافاً أميركياً مع توجس من تحول الوجود الكردي على حدود العراق بصيغة الحل الجديدة إلى تهديد جدي لحلفائها في ذلك البلد، في حين اعتُبرت الخطوة عربياً بأنها نقلة نوعية على طريق وحدة سوريا وبسط سلطة الدولة على كافة أراضيها، وذلك باعتبار أن استقرار بلاد الشام يعدّ مطلباً عربياً شاملاً لما له من تداعيات إيجابية على المنطقة برمتها. وبغض النظر، فإن واشنطن قرأت المتغيرات السورية سريعاً. إذ كان باراك واضحاً بإعلان نهاية مرحلة المواجهة في سوريا، وبداية مرحلة "الشراكة المفروضة" بقوة النار، مع بقاء القواعد العسكرية والدبلوماسية عبر الاحتفاظ بورقة العقوبات من ناحية، والإغراءات برفعها وإعادة الإعمار من جهة أخرى. وبناءً على ما سبق، فإن ما تسعى إليه واشنطن هو ضمان بقاء نفوذها في سوريا، من جهة عبر السلطة بتأمين الدعم اللازم لسلطة الرئيس أحمد الشرع، ومن جهة آخرى عبر "قسد" بالاعتراف بـ"إدارة ذاتية" مقنّعة تحت عباءة الدولة. أما خطة ترامب التي تحدث عنها المبعوث الأميركي، فهي خطة قسمة لا سيادة كاملة، وهي خطة تهدف واشنطن من خلالها إلى التأكيد أنه لا فائزين ولا خاسرين، أي لا غالب ولا مغلوب في سبيل سوريا موحدة. ليبقى المستقبل رهينة ثبات سياسات البيت الأبيض، ومدى تقبل الشارع الكردي لعملية الذوبان في مؤسسات الدولة بعد سنوات من لامركزية فرضتها وقائع الميدان.