تحولت مرتفعات علي الطاهر من جبهة عسكرية بين إسرائيل وحزب الله إلى ساحة صراع على الرواية بين تل أبيب وطهران، وسط تضارب في المعلومات بشأن وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل منشآتها الجوفية ومصيرهم بعد العملية الإسرائيلية. ففي الوقت الذي أعلن فيه الجيش الإسرائيلي تحقيق "السيطرة العملياتية" فوق الأرض وتحتها، نقلت وكالة "رويترز" عن 3 مسؤولين مطلعين أن إيران كانت قد أبلغت الولايات المتحدة بأنها ستردّ بقوة على أي هجوم إسرائيلي شامل يستهدف المرتفعات. وقال مسؤولان إقليميان للوكالة إن أكثر من 12 عنصراً من الحرس الثوري، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، كانوا موجودين إلى جانب مقاتلي حزب الله داخل المنطقة. وأضاف مصدر ثالث أن الرسالة الإيرانية نُقلت في منتصف آب عبر سلطنة عُمان، وأن ضغوطاً أميركية دفعت إسرائيل إلى تأجيل اقتحام واسع للمرتفعات. غير أن البيت الأبيض نفى دقة هذه الرواية من دون أن يحدد ما إذا كان النفي يتعلق بالرسالة الإيرانية، أو بالضغط على إسرائيل، أو بوجود عناصر من الحرس الثوري. أما حزب الله فلم يؤكد وجود الإيرانيين ولم ينفه، واكتفى باعتبار أن توجيه تحذير إيراني بشأن أي توسع إسرائيلي في الجنوب يشكل "استنتاجاً طبيعياً". في المقابل، قدّم الجيش الإسرائيلي رواية مختلفة. فقد قال إن المنشآت الجوفية في علي الطاهر بُنيت على مدى عقدين بتمويل وتخطيط إيرانيين، لكنه لم يعلن العثور على عناصر من الحرس الثوري داخلها، كما لم يكشف عن أسر ضباط إيرانيين أو مقتلهم أو فرارهم. وهنا تبرز الفجوة الأساسية: إذا كانت المعلومات عن وجود أكثر من 12 إيرانياً صحيحة، فلماذا غابوا كلياً عن البيان الإسرائيلي الذي استعرض تفاصيل الأنفاق والغرف والمخازن والمرافق التي عثرت عليها القوات؟ أحد الاحتمالات أن العناصر الإيرانية غادرت قبل دخول القوات الإسرائيلية أو انسحبت من الجهة الشمالية، كما تحدثت مصادر لبنانية مطلعة على موقف حزب الله. والاحتمال الثاني أن إسرائيل لم تصل إلى كل أجزاء الشبكة الجوفية، رغم إعلانها السيطرة العملياتية. أما الاحتمال الثالث فهو أن المعلومات عن وجود عناصر الحرس الثوري كانت جزءاً من حرب نفسية واستخباراتية سبقت العملية. وتخدم الروايتان هدفين مختلفين. إيران تريد القول إن تهديدها منع إسرائيل من تنفيذ اجتياح شامل، بينما تريد تل أبيب تثبيت أن منشأة استراتيجية أنشأتها طهران سقطت بأيدي قواتها. وبين الروايتين، لا توجد حتى الآن أدلة مستقلة تحسم حقيقة الوجود الإيراني أو نطاق السيطرة الإسرائيلية. أما المؤكد، فهو أن عملية تعطيل المنشآت لم تنتهِ بعد، وفق بيان الجيش الإسرائيلي نفسه، وأن غياب المعلومات والصور المستقلة يجعل إعلان "حسم" علي الطاهر سابقاً لأوانه. وتبقى الإجابة الحقيقية داخل الأجزاء التي لم تُكشف بعد من الشبكة الجوفية، وفي مصير الأشخاص الذين كانوا فيها قبل بدء العملية.