شكّل إعلان إسرائيل «الإفراج عن خمسة مواطنين لبنانيين اعتُقلوا في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان» اختراقاً مفاجئاً وفائق الأهمية أعطى المفاوضات بين بيروت وتل أبيب جرعةَ اوكسيجين دفعت الولايات المتحدة في اتجاهها لإخراج هذا المسار من «غرفة الإنعاش» الدبلوماسية. وما أن تَسَلَّم الجيشُ اللبناني عبر الصليب الأحمر الدولي، الأسيرَ الأول العائد إلى الحرية مالك كمال رازي، الذي كان أُسر من بلدته عين عطا في قضاء راشيا في أكتوبر 2025، حتى تدافعتُ الأسئلة حول سرّ هذه الانفراجةَ التي أكدت واشنطن أنها جاءت نتيجة وساطتها بين حكومتيْ لبنان وإسرائيل والتي أتاحت واقعياً فكَّ أحد «الأقفال» التي سَدَّتْ في شكل شبه كامل أبواب المفاوضات التي تعثّرت أو جُمّدت بفعل تعقيداتها الذاتية كما «الأثقال» التي يشكّلها العامل الإيراني عليها في ضوء إصرار طهران على «وحدة المسار والمصير» بين الجبهتين. ورغم أن الأسرى الخمسة الذين يُنتظر إكمال الإفراج عنهم، اليوم الجمعة، بإطلاق الأربعة الباقين (ذكرت وسائل إعلام لبنانية أن بينهم سورييْن أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي واللبنانييْن علي شور وحسين عياش) ليسوا مدرَجين على اللائحة المحدّثة التي وزّعتْها هيئة الأسرى وتضمّ 36 اسماً (3 منهم تعود ملفاتهم إلى ما قبل أكتوبر 2024 و 33 بعده)، إلا أنّ هذا التطور الذي تولى بنيامين نتنياهو، إعلانه في بيان صدر عن مكتبه، وأكد فيه أن المفرَج عنهم «لا ينتمون إلى منظمة إرهابية، ولم يمارسوا الإرهاب، ولا يوجد أي سبب لمواصلة احتجازهم في إسرائيل» اكتسب دلالاته الـ ما فوق عادية في ضوء الاعتبارات الآتية: – أن إطلاقَ الأسرى شكّل «بطاقة دخول» الدولة اللبنانية مجدداً إلى مسار التفاوض المباشر الذي كان عقد جولته السابعة قبل شهر في روما وبدت جولته الثامنة عالقةً عند موعد «نظري» الشهر الجاري كان يحتاج إلى رافعةٍ لكسر الدوران في حلقة المراوحة التي جمّدت عمليةَ «المناطق التجريبية» عند أكثر من عقدة… من آلية التحقُّق التي تحتاج إلى توافقاتٍ مركّبة ومتعددة الطرف (إقليمياً ودولياً)، مروراً برفْض تل أبيب أي توسعةٍ لهذه المناطق (بعد زوطر الغربية وفرون وصريفا) بانسحابات جديدة قبل التثبت من قيام الجيش اللبناني بمَهمته داخل البقعة الأولى (تفكيك أي بنية عسكرية لحزب الله فيها ومنعه من العودة إليها) عبر «مراقب» موثوق، وصولاً إلى وقوع السلطة اللبنانية أمام واقعٍ بات يستنزفها ويكشفها تجاه الحملات التصاعدية ضدّها من الحزب تحت عنوان «عدم جدوى» المفاوضات وهو الشعار الذي انضمّ إليه رئيس البرلمان نبيه بري. – أن الإفراج عن الخمسة جاء بمثابة «دفعة على الحساب» من نتنياهو «بلا مقابل» فعلي من بيروت، سوى «وعد» بتحديد أماكن وجود جثامين رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان وإعادتها «الذين خطفوا وقُتلوا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي». جثامين رؤساء الطائفة اليهودية وقد تمحور بيان نتنياهو حول هذا العنوان حيث أعلن أنه «في إطار المفاوضات مع لبنان، أوعز رئيس الوزراء بالعمل على تحديد مكان جثامين رؤساء الطائفة اليهودية في لبنان (…) وهو يتابع هذه القضية منذ عقود، وتحديداً منذ فترة توليه منصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة»، موضحاً أنه «خلال الأشهر الأخيرة، نُفذت العديد من العمليات لتحديد مكان الجثامين، من جانب لبنان وإسرائيل على حد سواء، بما في ذلك عمليات ميدانية». وأضاف «وفي ضوء هذا النشاط المكثف، تقرر الإفراج عن خمسة مواطنين لبنانيين اعتُقلوا في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان». – ان محاولةَ نتنياهو، التخفيف من أهمية الخطوة «الأحادية الجانب» عبر تظهير أن المفرَج عنهم لا ينتمون عملياً إلى «حزب الله»، لا يبدّد خلفيات هذا التطور الذي بدا جلياً أنه من نتاج «الدبلوماسية المكوكية» التي اضطلع بها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي عكست زيارته – الحدث لإسرائيل ولقاؤه رئيس وزرائها مع السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي، مساء الثلاثاء، أنه سفير فوق عادي «بقبعتين»، مبعوث خاص أو وسيط إلى جانب وظيفته الأصلية. ولم يتطلب الأمر كثير عناءٍ لاستخلاص أن نتنياهو، الذي كان يستعدّ لإطلاق معركة مرتفعات علي الطاهر والحصول على «الأذونات» الخاصة بذلك من واشنطن، بالتوازي مع تكثيف خروقه على مختلف المستويات في جنوب لبنان، وَجَد نفسه من خلال زيارة عيسى، أمام موقف أميركي يتمحور حول أمرين: أولهما حتميةِ حفظ «المسار المفيد» بين بيروت وتل أبيب عبر خطّ التفاوض المباشر باعتباره ممراً إلى، بالحد الأدنى، «إنهاء حال العداء» وفق التعبير الذي استخدمه الرئيس جوزاف عون. وثانيهما أن هذا «الحرص الإستراتيجي» لإدارة الرئيس دونالد ترامب، يستوجب أن تقدّم الدولة العبرية «شيئاً ما» للسلطة اللبنانية يسهّل عودتها إلى طاولة التفاوض