أرسلت الجزائر 4 مقاتلات من طراز "سوخوي سو-30"، ترافقها طائرة للتزود بالوقود جواً، إلى العاصمة النيجرية نيامي، في تحرك عسكري خارجي نادر يعكس تحولاً أوسع في مقاربتها لأمن منطقة الساحل، بعدما باتت الاضطرابات المتلاحقة جنوب حدودها جزءاً مباشراً من حسابات أمنها القومي. وجاء التحرك الجزائري في 30 آب/أغسطس 2026، بعد محاولة انقلاب شهدتها النيجر، وساهمت قوات روسية من "فيلق أفريقيا" في إحباطها، في وقت تعزز موسكو حضورها العسكري في المنطقة على وقع التراجع الحاد للنفوذ الفرنسي. وتحتل النيجر موقعاً محورياً في منطقة الساحل، ذلك الحزام الممتد جنوب الصحراء الكبرى بين شمال أفريقيا وأقاليم السافانا جنوباً. وعلى الرغم من غنى دول المنطقة بالموارد الطبيعية، تعاني مستويات مرتفعة من الفقر والهشاشة السياسية والأمنية، فيما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر ساحات التنافس الدولي والإقليمي سخونة. بالنسبة إلى الجزائر، لم تعد هذه التحولات بعيدة عن حدودها. فهي تشترك مع النيجر في حدود تمتد مئات الكيلومترات، وتراقب في الوقت نفسه تمدد الجماعات الجهادية، وتوالي الانقلابات العسكرية، وتصاعد الحضور الروسي والتركي والصيني في فضاء كانت فرنسا القوة الخارجية الأبرز فيه لعقود. يكتسب إرسال المقاتلات إلى النيجر دلالة إضافية بالنظر إلى التحول الذي أدخلته الجزائر على عقيدتها العسكرية منذ تعديل الدستور عام 2020. فالمادة 91 من الدستور منحت رئيس الجمهورية صلاحية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى الخارج، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتيه. وتنص المادة 31 على إمكان مشاركة الجزائر، في إطار احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، في عمليات حفظ السلم، فيما تنص المادة 30 على أن الجيش الوطني الشعبي يتولى "الدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية للبلاد طبقاً لأحكام الدستور". ولا يعني ذلك أن إرسال قوات جزائرية إلى الخارج يحدث للمرة الأولى تاريخياً، إذ سبق للجيش الجزائري أن شارك خارج البلاد، وخصوصاً خلال الحروب العربية مع إسرائيل. لكن تحرك نيامي يندرج ضمن مرحلة مختلفة أعادت فيها تعديلات 2020 رسم الإطار الدستوري لدور الجيش خارج الحدود وربطته بصورة أوضح بالأمن والمصالح الاستراتيجية للجزائر. وكانت الجزائر قد سبقت مهمة المقاتلات بخطوة عسكرية أخرى في 9 آب، حين سلمت الجيش النيجري 4 مروحيات، بينها مروحيتان من طراز "مي-24V" ومروحيتان من طراز "مي-171"، إضافة إلى ذخائر وقطع غيار ومعدات دعم وصيانة. أما في التحرك الأخير، فأعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إرسال دوريتين تضمان 4 مقاتلات "سوخوي سو-30" إلى نيامي، استجابة لطلب السلطات النيجرية، في مهمة لدعم الجيش في مواجهة محاولة زعزعة استقرار البلاد. وقالت إن العملية تؤكد "التزام الجزائر الثابت وعزمها على مواصلة جهودها من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة". ويرى الكاتب والباحث في الشؤون الأمنية والجيوستراتيجية، العقيد الركن المتقاعد في الجيش الموريتاني البخاري محمد مؤمل، أن نظاماً إقليمياً جديداً بدأ يتشكل منذ سنوات في منطقة الساحل، "ساهمت فيه عدة تغيرات جيوسياسية، بعضها في المنطقة وبعضها من خارجها". ويقول لـ"النهار" إن انشغال الولايات المتحدة بصراعها مع الصين في المحيط الهادئ وبالحرب في الشرق الأوسط، وانشغال أوروبا بحرب أوكرانيا، ساهما في تراجع الاهتمام الغربي بالساحل، فيما تقدمت قوى دولية وإقليمية لملء الفراغ، بينها روسيا والصين وتركيا وإيران والجزائر. ويرى أن إرسال الطائرات إلى النيجر يهدف أيضاً إلى تأكيد الدور الإقليمي للجزائر، مضيفاً: "روسيا والجزائر حليفان نظرياً، ولكن التحالف لا يمنع وجود منافسة خافتة بين الطرفين. والجزائر لا تريد أن تبقى منطقة الساحل لروسيا أو أي دولة أخرى. هي أيضاً قوة إقليمية وتريد أن تعزز دورها في المنطقة". بدوره، لا يشك الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين في أن الجزائر "أصبحت لاعباً إقليمياً مهماً وأساسياً في منطقة الساحل الأفريقي، انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها المنطقة بالنسبة إلى أمنها القومي، على المستويين الأمني والعسكري، إلى جانب المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بها". ويشير لـ"النهار" إلى دور الجزائر في عدد من المشاريع الإقليمية العابرة للحدود، وفي مقدمها مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر، "بما يمنح الأخيرة أهمية استراتيجية في العلاقات الجزائرية مع دول المنطقة". متظاهرون يتجمعون دعماً للجنرال عبد الرحمن تياني في ساحة لا كونسرتاسيون في نيامي، 30 آب/أغسطس 2026. (أ ف ب) يتجاوز الصراع في الساحل حسابات الأمن الإقليمي إلى منافسة أوسع على النفوذ والموارد،