يُقدّر المحيطون برئيس مجلس النواب نبيه بري، أنه تعمّد أن يُرسي أسس معادلة سياسية مميزة في علاقته بالرئاسة الأولى، عندما أعلن في إطلالته الأخيرة في ذكرى إخفاء الإمام موسى الصدر رفضه المطلق لنهج التفاوض المباشر مع إسرائيل، الذي تدافع عنه الرئاسة بضراوة، وتعارض كل الدعوات إلى التراجع عنه بوصفه خياراً حصريّاً إجباريّاً. على أن رفض بري المبدئي هذا لا يعني بالضرورة قطع خطوط التواصل مع رئيس الجمهورية جوزف عون، وفق ما أكد رئيس المجلس لاحقا، ليقطع الطريق على تكهنات سرت وتأويلات انتشرت عن قطيعة بدأت لتوها بين الرئاستين. ويستغرب هؤلاء أن يسارع البعض إلى التعامل مع هذه المعادلة التي تقصدها رئيس المجلس، باعتبارها فتحاً سياسيّاً جديداً من جانبه، مع أنه سبق له أن أطلقها وشدد عليها منذ أن أخذت الرئاسة الأولى خيارها بالتفاوض المباشر، وأصرّت على السير به إلى النهاية. ثم عاد ليؤكد رفضه المطلق للثمرة الأبرز التي نتجت من هذه الرحلة، وهي اتفاق الإطار، واصفا إياه بأنه "فتنة يتعين اجتنابها"، وأنه استطراداً غير قابل للتنفيذ، ومعلنا لاحقا أن إسرائيل قد دفنته. في تقدير هؤلاء أن بري الذي يختزن رصيداً من الخبرة في التفاوض مع الإسرائيلي، كان على بينة مسبقة من أنه يستحيل أن يعطي شيئا، وهو يتصرف تصرف "الكاسح الماسح"، وخصوصا بعد عملية "طوفان الأقصى" وما أنتجته من تداعيات. ومع ذلك بدا بري موضوعيّاً وواقعيّاً ويُقدّر طبيعة التحولات، عندما أبلغ إلى حاملي لواء خيار التفاوض المباشر ما مفاده أن "امضوا قدما في خياركم، ونحن سنكتفي بالتحذير والنصح، ولكن من حقنا لاحقا أن نسائلكم عن النتيجة التي تحققت". ويذكّر هؤلاء بمقولة شهيرة وردت على لسان بري، مؤداها أن "افقأوا أعيننا وأظهرونا مخطئين من خلال إيجابية واحدة تحصلون عليها وتضمن وقف عدوان إسرائيل والانسحاب من أي منطقة جنوبية تقدمت إليها، وساعتئذ سنعترف بصحة توجهكم وبخطأ اعتقادنا وحسابنا". وبناء على هذه المعطيات، كان بري حاسما في أمرين: الأول مع حلفائه، إذ أبلغ إليهم أنه لن يسير بخيار الذهاب إلى جبهة معارضة للتفاوض المباشر ولاتفاق الإطار، على غرار ما فعل يوم تقدم معارضة اتفاق 17 أيار عام 1983التي أفضت إلى إسقاطه، والثاني أنه ليس في وارد إحداث قطيعة مع الرئاسة الأولى رغم إصرارها على خيارها الديبلوماسي. وأكثر من ذلك، تغاضى بري عن تحدث الرئيس عون في البيت الأبيض أمام الرئيس دونالد ترامب عنه بصفته "مؤيدا لخيارنا". وذهب إلى الأبعد يوم زاره بعد عودته من واشنطن. لكن رئيس المجلس يقيم على اقتناع ضمني بأن الرهان على تحول ميداني يحدث تحولا نوعيا يفتقر إلى الموضوعية، لأنه مقتنع أيضا بأن خيار الرهان على اتفاق الإطار وما ينتج منه هو خيار واهم، وقد شاء بري في مناسبة عزيزة جدا عليه أن ينحاز إلى هذه المعادلة الجديدة ويتبناها، حيث يتساكن النقيضان، ولا يمضي إلى أيّ قطيعة مع الرئاسة الأولى. والمبررات التي يقدمها معروفة وجاهزة، خصوصا أن أحدهما أعجز من أن يقدم وعدا بتحول وشيك لمصلحة رؤيته قريبا، فضلا عن أن تجارب القطيعة مع الحكم لم تكن ناجحة منذ إشهار القطيعة مع حكومة فؤاد السنيورة الأولى.