في عام 1998، سألني طلابي في الجامعة سؤالاً بدا في حينه أكبر من أن تكون له إجابة واضحة: ما هو مستقبل الشرق الأوسط؟ قلت لهم يومها إنني أعتقد أن الشرق الأوسط يتجه إلى التحول إلى ما يشبه شركة مساهمة كبرى، رئيس مجلس إدارتها الولايات المتحدة الأميركية، وأن الصراع الأساسي في المستقبل لن يكون فقط بين العرب وإسرائيل، بل على من سيتولى الإدارة التنفيذية لهذه الشركة الإقليمية. وقلت إن القوى المرشحة لهذا الصراع ستكون بصورة أساسية إسرائيل وإيران وتركيا. بعد ما يقارب ثلاثة عقود، يبدو أننا أصبحنا في قلب ذلك الصراع. لم يعد السؤال المركزي في الشرق الأوسط اليوم هو فقط من يحتل أرضاً، أو من ينتصر في حرب، أو حتى من يمتلك القوة العسكرية الأكبر. السؤال الأعمق أصبح: من سيضع قواعد النظام الإقليمي؟ من يحدد حدود نفوذ الدول؟ من يقرر مستقبل سوريا والعراق ولبنان والخليج وشرق المتوسط؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار العربي؟ لقد انتقلت المنطقة تدريجاً من مرحلة كان العالم العربي فيها، رغم ضعفه وانقساماته، أحد صانعي النظام الإقليمي، إلى مرحلة أصبح فيها في جزء كبير منه ساحة للصراع على النظام الإقليمي. وهنا تكمن المأساة الحقيقية. من الصراع العربي - الإسرائيلي إلى الصراع على العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كان الصراع الرئيسي في المنطقة يُعرّف بأنه الصراع العربي- الإسرائيلي. كانت هناك مشاريع عربية متنافسة، ناصرية وبعثية وملكية وإسلامية، وكانت الدول العربية نفسها، مهما اختلفنا على سياساتها، أطرافاً رئيسية في رسم مستقبل المنطقة. أما اليوم فقد تغيرت الخريطة. نحن أمام ثلاثة مشاريع إقليمية رئيسية، إسرائيلية وتركية وإيرانية، لكل منها تصور مختلف لموقعه ودوره وحدود نفوذه. وبين هذه المشاريع تتحرك الدول العربية منفردة، وفق مصالحها الوطنية أحياناً، ووفق مصالح أنظمتها وهواجسها الأمنية أحياناً أخرى. ولذلك لم يعد هناك عملياً "محور عربي" واحد في مواجهة المحاور الأخرى. هناك دول عربية تقترب من الولايات المتحدة، وأخرى تنسق مع تركيا، وأخرى بنت علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وأخرى ارتبطت بإيران، ودول تحاول إقامة علاقات متوازنة مع الجميع. حتى دول الخليج نفسها لم تعد تتحرك باعتبارها كتلة سياسية واحدة، بل أصبحت لكل دولة منها حساباتها وعلاقاتها وتحالفاتها الخاصة. وتظهر التحولات الجارية عام 2026 أن بعض دول المنطقة يبحث بالفعل عن ترتيبات أمنية وتحالفات جديدة بعدما اهتزت الثقة القديمة بقدرة النظام الإقليمي التقليدي على توفير الاستقرار. المشروع الإسرائيلي: من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على النظام عندما نتحدث عن "إسرائيل الكبرى"، من الخطأ اختزال الفكرة بالضرورة في خريطة جغرافية محددة تمتد من مكان إلى آخر. هناك تيارات إسرائيلية دينية وقومية تحمل بالفعل تصورات توسعية جغرافية، لكن المفهوم الأكثر أهمية استراتيجياً هو إسرائيل الكبرى بوصفها قوة الهيمنة الرئيسية في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، قد لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل الأراضي حتى تحقق مشروعها. قد يكون الشكل الأكثر فعالية للهيمنة هو أن تصبح القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية التي لا يستطيع أي قرار إقليمي كبير أن يتجاهلها. إسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، وتحالفاً استراتيجياً عميقاً مع الولايات المتحدة، وقدرة استخباراتية وعسكرية تتجاوز مساحتها وعدد سكانها بأضعاف. ومن هذا المنظور يصبح إضعاف القوى الإقليمية المنافسة، ومنع ظهور قوة عسكرية قادرة على موازنة إسرائيل، عناصر أساسية في رؤيتها الأمنية. لقد شكلت إيران خلال العقود الماضية التحدي الإقليمي الأكبر أمام هذه الرؤية. لكن إضعاف إيران لا يعني انتهاء الصراع على النظام الإقليمي. بل قد يكشف المنافس التالي. وهذا المنافس هو تركيا. المشروع التركي: النفوذ من دون احتلال تركيا لا تحتاج هي أيضاً إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية حتى تصبح القوة الأكثر تأثيراً في فضائها الجغرافي. المشروع التركي الحديث أكثر تعقيداً وبراغماتية من ذلك. تركيا تريد أن تكون الدولة التي لا يمكن اتخاذ قرار في سوريا أو العراق أو شرق المتوسط أو القوقاز، وربما في أجزاء واسعة من المنطقة العربية، من دون أخذ مصالحها في الاعتبار. إنها تستخدم الاقتصاد والتجارة والطاقة والصناعة الدفاعية والقوة العسكرية والديبلوماسية والعلاقات الثقافية، إضافة إلى موقعها في حلف شمال الأطلسي، لبناء مجال نفوذ واسع. ومن الخطأ وصف ذلك بصورة مبسطة بأنه "عثمانية جديدة". فدراسات حديثة تشير إلى أن السياسة التركية الحالية أقرب إلى محاولة بناء نظام إقليمي يخدم أمن تركيا ومصالحها ويمنع خصومها من تشكيل البيئة المحيطة بها، أكثر مما هي محاولة لإعادة إنتاج إمبراطورية تاريخية.لكن صعود الدور التركي يضع أنقرة بص