الأهداف المعلنة للحصار الاقتصادي الذي فرضه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، بعد مرور ستة أشهر على بدء الحرب العسكرية بين الطرفين، هي إجبار إيران على الخضوع والقبول بالشروط الأميركية والترتيبات الأمنية الخاصة بمضيق هرمز، وإن تحقيق هذه الخطوة يحقق لواشنطن إنجازاً يسمح لها بإعلان وفاة مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في مفاوضات إسلام آباد، ويساعد ترمب في الخروج من الإحراج الذي تسببت به على المستوى الداخلي ويضمن له فرصة نحو ترميم موقفه وموقف الحزب الجمهوري عشية الانتخابات النصفية للكونغرس في مواجهة الحزب الديمقراطي. الجديد في العقوبات الأميركية التي وصفها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالحرب الاقتصادية ضد بلاده، الحصار البحري المشدد الذي يحرم إيران من تصدير نفطها واستيراد مختلف المواد، مما يعني تعطيل الموانئ البحرية الإيرانية وإسقاطها من معادلة دعم الاقتصاد الإيراني خلال هذه المرحلة شديدة التعقيد. والذهاب إلى خيار الحرب الاقتصادية بديلاً عن الحرب العسكرية من الممكن أن يشكل استراتيجية أميركية تهدف إلى إرباك النظام الإيراني من الداخل ووضعه في مواجهة المطالب المعيشية والحياتية للإيرانيين، تدفع نحو تهيئة الأرضية اللازمة لإشعال حركات اعتراضية ومواجهات في الشارع تمهد الطريق أمام سقوطه، بالتالي تضع النظام وقيادته أمام واحد من خيارين، إما أن يعلن تنازله والقبول بالشروط الأميركية لتهدئة الداخل، وإما الذهاب إلى صدامات ومواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات، تفوق ما حصل في يناير (كانون الثاني) الماضي، وقد تتسع دائرتها للتحول إلى حروب داخلية على خلفيات قومية ربما تلجأ إليها قوى معارضة لم تتخلَّ عن طموحاتها الانفصالية على رغم عمليات القمع التي تعرضت لها على مدى عقود من تاريخ إيران الحديث والمعاصر. الرسالة الأخيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وتأكيد ضرورة الحفاظ على الانسجام والوحدة الداخلية والاستماع إلى المطالب الشعبية في الموضوع الاقتصادي والمعيشي لتفويت الفرصة أمام العدو لاستغلال الاستياء الداخلي وتحويله إلى ورقة لإضعاف النظام وإسقاطه، سرعان ما جاءت ترجمتها بوضوح على لسان رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف الذي رسم استراتيجية إيرانية جديدة في التعامل مع العقوبات والحصار، والاستعداد للذهاب إلى خيار التصعيد العسكري في حال تحول الحصار إلى تهديد حقيقي، مما يعني أن النظام قد يجد نفسه أمام خطر السقوط، بالتالي فإن خيار الذهاب إلى حرب وجودية أفضل من التعامل ببرودة مع حرب الخنق الاقتصادي. وعلى رغم خطورة الرهانات الأميركية على إحداث تغيير من الداخل، فإن إدارة البيت الأبيض لم تسقط من اعتباراتها إمكان فشل هذه الاستراتيجية، في ظل صعوبة تحقيق إجماع دولي على التزام الخطة الأميركية، على رغم تهديد واشنطن بفرض عقوبات ثانوية على غير الملتزمين، من هنا يمكن الدخول إلى الزيارة التي قام بها قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، وأبعاد الرسالة الأميركية التي أبلغها للقيادات التي اجتمع معها. وإذا ما كانت المؤشرات الإيرانية تتحدث عن أن الرسالة الأميركية التي حملها منير إلى طهران تتضمن عرضاً من ترمب بعقد صفقة غير مكتوبة تعطل مبدئياً مفاعل مذكرة تفاهم إسلام آباد، من خلال إعلان إيران عن فتح مضيق هرمز بالكامل مقابل وعد بإنهاء الحصار البحري وإلغاء العقوبات، والبدء بالإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في دولة خليجية، والتي تقدر بنحو 6 مليارات دولار، ومن خلال التصعيد العسكري الجديد الذي بدأ باستهداف منصات صواريخ إيرانية في جزيرة لارك في مضيق هرمز، والرد الإيراني على قواعد أميركية في الأردن، ثم العودة للخيار العسكري الذي ذهب إليه الرئيس الأميركي والقول إن قيمة مذكرة إسلام آباد لا تساوي الحبر الذي كتبت به، تكشف عن أن الرد الإيراني لم يكُن بما تشتهي السفن الأميركية، وأن الواضح من رد الفعل الأميركي أن ما سمعته وفود الوسطاء الباكستانية والقطرية هو تمسك إيراني واضح بالعودة لمذكرة إسلام آباد والتزام أميركي بتنفيذ ما تضمنته بالكامل. ولم تتأخر منظومة السلطة في إيران بالتأكيد على هذا المطلب والشرط، من خلال الكلام الذي صدر عن بزشكيان على هامش قمة دول شنغهاي المنعقدة في بيشكك عاصمة قرغيزستان، مدعوماً بموقف روسي وباكستاني واضح، أكد فيه أن الحل يمر من خلال العودة لمذكرة التفاهم والالتزام العملي بها. الموقف الذي أعاد بزشكيان التأكيد عليه، يعبر عن حال من الانسجام والالتفاف داخل المنظومة الإيرانية لا تقتصر على فريقي الحكومة والتفاوض أو الجماعة الداعمة لهما، بل يعبر أيضاً عن موقف المؤسسة العسكرية، تحديداً "حرس الثورة" الذي جاء واضحاً على لسان المتحدث باسمه العميد حسين محبي والمعاون السياسي العميد يدالله جواني، بدعوة واشنطن إلى العودة لتفاهم إسلام آب