لم تعد العلاقات الكندية- الأميركية مجرد علاقات اقتصادية وثيقة بين دولتين متجاورتين، بعدما نقلت سياسات دونالد ترامب الخلاف من مستوى التبادل التجاري إلى اختبار أوسع لحدود الاعتماد الكندي على الولايات المتحدة، ولقدرة كندا على حماية قرارها الاقتصادي والسياسي ومصالحها السيادية. والمفارقة أن الضغط الأميركي، بدلاً من دفع كندا إلى مزيد من التبعية، أسهم في إيقاظ وطنية كندية عابرة للانقسامات الحزبية والإقليمية. فقد وجد رئيس الوزراء مارك كارني دعماً واسعاً، والتقت الحكومة الفيدرالية وحكومات المقاطعات وقوى المعارضة حول الدفاع عن المصالح الكندية. ويؤكد هذا المزاج استطلاع لمعهد Angus Reid نُشر في 23 آب أغسطس الجاري أظهر تأييد 76% من الكنديين قرار كارني الانسحاب من المفاوضات التجارية مع واشنطن. أولًا: كندا ليست دولة ضعيفة ـ من الجغرافيا والموارد إلى القوة الوطنية - الوطنية الكندية وإعادة تعريف السيادة: كشفت الأزمة أن السيادة في الاقتصاد المعاصر لا تعني قدرة الدولة على إنتاج كل شيء داخلياً، بل قدرتها على امتلاك البدائل التي تمنع تحويل العلاقة الاقتصادية الأحادية إلى أداة للضغط السياسي. ومن هنا يصبح الدفاع عن المصالح الكندية أكثر من رد فعل على الرسوم الأميركية؛ إنه إعادة تعريف لمفهوم الاستقلال. فكندا لا تحتاج إلى الانفصال عن الاقتصاد الأميركي، بل إلى ألا يكون اقتصادها رهينة له. ومن أهم آثار الأزمة إعادة اكتشاف قيمة الدولة الفيدرالية وقدرتها على حماية المصالح الكندية العليا. - الجغرافيا والموارد والكفاءات: كندا ليست دولة ضعيفة إذا قيست قوتها بعدد سكانها فقط؛ فهي تمتلك مساحة جغرافية هائلة، وثروة مائية وغابية وطاقية ومعادن حرجة، وأراضي زراعية واسعة، وموقعاً قطبياً استراتيجياً، إلى جانب جامعات ومراكز بحث وكفاءات بشرية ونظام قضائي ومؤسسي مستقر. وتزداد قيمة هذه العناصر في اقتصاد عالمي تتعاظم فيه أهمية أمن المياه والطاقة والغذاء والمعادن الحرجة والتكنولوجيا. لكن امتلاك الموارد لا يكفي؛ فالقوة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع كندا تحويلها إلى معرفة وصناعة وقيمة مضافة. - البيئة والديموغرافيا كرافعتين للقوة: يمكن للبيئة أن تصبح إحدى ميزات كندا التفاضلية عالمياً في السياحة؛ فالمياه العذبة والمساحات الغابية والتنوّع البيئي والطبيعة الواسعة تتيح لها الجمع بين حماية البيئة وتنمية السياحة البيئية وجذب الاستثمارات والكفاءات والسكان. أما الديموغرافيا فهي الوجه الآخر لهذه القوة. فلا يمكن استثمار الجغرافيا والثروات من دون قاعدة بشرية كبيرة، ولا يمكن تحقيق نموّ سكاني قوي من دون اقتصاد قادر على خلق الوظائف والسكن والبنية التحتية. لذلك فإن معالجة أزمة السكن الحالية لا ينبغي أن تحوّل الهجرة إلى مشكلة بحد ذاتها، بل أن تدفع إلى تسريع قدرة الاقتصاد على استيعاب النموّ السكاني. فالسكان يوسّعون السوق، والسوق تجذب الاستثمار، والاستثمار يخلق الإنتاج والوظائف، والاقتصاد الأقوى يصبح أكثر قدرة على بناء المساكن والخدمات واستيعاب مزيد من السكان. ومن هذه الزاوية يمكن للنموّ الديموغرافي، على المدى الطويل، أن يصبح أحد مصادر القوة الكندية، وصولاً إلى أفق سكاني كبير، شرط أن يندرج في نموذج اقتصادي متكامل يقوم على تخطيط تنموي استراتيجي. ثانياً: من اقتصاد الموارد إلى نموذج اقتصادي كندي صاعد - من تصدير الموارد إلى تصنيع القيمة: لا تحتاج كندا إلى اقتصاد أكبر فحسب، بل إلى نموذج يستثمر عناصر قوتها، وينقلها من تصدير الموارد إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من قيمتها عبر المعالجة والتصنيع والبحث والتطوير والخدمات المتقدمة، وبناء سلاسل إنتاج تولد القيمة والتكنولوجيا والوظائف وفق معاييرها البيئية. ومن هنا تصبح المعادن الحرجة والطاقة والهيدروجين والصناعات المتقدمة والسيارات الكهربائية أجزاءً من مشروع واحد لإعادة بناء القاعدة الصناعية. يمكن لكندا أن تستفيد من الاستقرار الضريبي والقضائي، وتوفر الأراضي الصناعية والطاقة والمواد الخام، لجذب مزيد من الاستثمارات الأوروبية والكورية والآسيوية، خصوصاً في قطاعات السيارات والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة. لكن الاستثمار الأجنبي يصبح أكثر فائدة عندما ينشأ حوله نسيج من الشركات الكندية الصغيرة والمتوسطة ومراكز البحث وموردي المكوّنات والخدمات اللوجستية. عندها لا تكون الشركة الأجنبية مجرد مستثمر، بل تصبح جزءاً من منظومة إنتاج كندية. كذلك تستطيع كندا أن تزيد القيمة المضافة في قطاع الطاقة، من خلال تطوير قدراتها في التكرير والصناعات التحويلية والبتروكيماوية والهيدروجين، بما يقلل اعتمادها على معالجة مواردها خارج البلاد. - من اقتصادات المقاطعات إلى اقتصاد كندي قوي بتكامل تعدّدي: وفي مواجهة الرسوم الأميركية، تصبح السوق الداخلية إحدى أهم أدوات الصمود والردع الاقت