نقلت وكالة "رويترز" عن ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى قولها إن الحملة الأميركية الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر تقييد صادرات النفط ووقف التهرب من العقوبات أصبحت أشد وطأة على طهران، مشيرة إلى أن الإجراءات الأخيرة وضعت حكام إيران في موقف أكثر حساسية بكثير، بعد إغلاق معظم القنوات الكفيلة بتأمين العملات الأجنبية وشراء السلع، وذلك وسط تحذيرات إيرانية من الرد عبر مزيد من التصعيد العسكري. وسعت واشنطن في الأسابيع القليلة الماضية إلى تصعيد الضغوط الاقتصادية لانتزاع تنازلات في أي مفاوضات مستقبلية عقب إخفاق الصراع المستمر منذ ستة أشهر في تحقيق ذلك. وأكدت المصادر الإيرانية أن الجهود الأميركية لحرمان طهران من الوصول إلى شبكات التمويل الدولية باتت تشكل تهديداً حقيقياً وملحاً، بعدما تحايلت إيران عليها لزمن طويل. وفي المقابل، ألمح مسؤول إيراني رفيع إلى أمل طهران في أن يردع خطر التضخم الإدارة الأميركية قبل انتخابات التجديد النصفي في شرين الثاني/نوفمبر، بينما تهدف واشنطن لدفع الإيرانيين إلى الثورة، في وقت رأى فيه أستاذ التاريخ الحديث بجامعة سانت أندروز، علي أنصاري، أن إيران تفقد السيطرة على المضيق وقد تجد نفسها مضطرة للتفاوض. واندلعت الحرب مجدداً في شكل قتال مفتوح هذا الأسبوع، إذ دفعت الهجمات الأميركية على طول الساحل الإيراني المطل على الخليج طهران إلى تنفيذ ضربات انتقامية استهدفت قواعد أميركية في دول عربية، دون أن يبدي أي طرف استعداداً تقديم تنازلات، مما أبقى الصراع في حالة جمود مكلفة. وفي حين تتدفق كميات أكبر من الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز رغم المحاولات الإيرانية المستمرة لتعطيل الملاحة فيه، أدى الحصار الأميركي على صادرات النفط الإيرانية إلى قطع المصدر الرئيسي لإيرادات طهران. ومما زاد الأزمة عمقاً أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني بالفعل من انهيار العملة وارتفاع التضخم قبل الصراع، لترتب على القصف المستمر لأشهر أعباء جديدة تتمثل في فاتورة ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية والصناعة المتضررة. وأوضحت المصادر أن الضغوط المالية أثرت سلباً على قدرة طهران للتحايل على العقوبات بسبب قلة السيولة المتاحة لدفع العلاوات المرتفعة اللازمة لعمليات التهرب غير المشروعة. وتراجع الريال إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال الأيام القليلة الماضية، وكشف أحد المصادر أن البلاد لا تملك سوى مخزونات من البنزين تكفي لشهرين إضافيين، فيما يتعين عليها استيراده رغم إنتاجها المحلي من النفط بسبب محدودية طاقة التكرير، وسط مخاوف لدى حكام إيران من تجدد الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت البلاد في كانون الثاني/ يناير 2025، وقمعتها السلطات بقتل آلاف المتظاهرين. ووسعت الولايات المتحدة نطاق العقوبات الثانوية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران لحرمانها من استخدام الدولار في تسوية مبيعات النفط وتمويل الواردات الحيوية، مما جعل شبكات التهرب الحالية مثل شركات الواجهة والناقلات غير المسجلة والتهريب، مكلفة للغاية ويصعب استخدامها. وأظهرت بيانات "كبلر" أن شحنات النفط الخام الإيرانية تراجعت هذا الشهر إلى نحو 260 ألف برميل يومياً، مقارنة مع نحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام، ولم تعد تغادر الموانئ سوى كميات محدودة عبر الشاحنات أو القطارات أو القوارب الصغيرة عبر بحر قزوين. ورغم تأكيد أحد المصادر أن طهران تقول إنها تملك عشرات الملايين من البراميل المخزنة في ناقلات خارج منطقة الحصار، إلا أن العقوبات الجديدة تدفع الوسطاء للتراجع أو المطالبة بمبالغ أكبر. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن إجمالي حجم التجارة تراجع بما يتراوح بين 25 و35 بالمئة، مع تضرر الواردات بوتيرة أكبر من الصادرات، لينضم إلى مسؤولين حذروا من تدهور الوضع بسرعة، لا سيما بعد إعلان الإمارات في 19 آب/أغسطس تعليق المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع طهران حتى إشعار آخر. وعلى الصعيد المعيشي، أظهرت البيانات الرسمية بلغت التضخم متوسط 69.9 بالمئة خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات والتبغ بمعدل يقارب ضعف هذا النسبة. وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 بالمئة في الربيع، وتراجع عدد العاملين بنحو 450 ألف شخص. وفي ظل متوسط راتب شهري يبلغ نحو 125 دولاراً مقابل احتياجات أساسية تقدر بنحو 450 دولاراً شهرياً، قالت مهناز، وهي موظفة في القطاع الخاص تبلغ 34 عاماً وطلبت عدم ذكر اسم عائلتها: "نزداد فقراً يوماً".