تضع إسرائيل الجيش اللبناني أمام معادلة ضاغطة في الجنوب، تقوم على توسيع نطاق عمليات التفتيش لتشمل المنازل والمنشآت الخاصة، والخضوع لآلية رقابة لم تُحسم طبيعتها بعد، مقابل ربط انسحاب القوات الإسرائيلية بمدى ما تعتبره تل أبيب "اكتمالًا" لنزع السلاح. وبالتوازي، ترسم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية صورة جديدة لأسلوب عمل حزب الله، تتحدث فيها عن انتقال تدريجي من خطط الاقتحام الواسعة إلى حرب خلايا صغيرة وكمائن ومسيّرات مفخخة وعبوات ناسفة. وبذلك، لا تبدو القراءة الإسرائيلية مقتصرة على مراقبة تنفيذ "الخطة التجريبية" جنوب الليطاني، بل تتوسع إلى محاولة فرض تعريف إسرائيلي لما يجب على الجيش اللبناني القيام به، وللمعايير التي تسمح بانسحاب القوات الإسرائيلية، في وقت تستعد فيه تل أبيب، وفق تقديراتها، لجولة مواجهة مختلفة مع حزب الله. "الخطة التجريبية" لا تتقدّم كما تريد إسرائيل وكشف تقرير للصحافي إليشاع بن كيمون في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّ ما يُعرف بـ"الخطة التجريبية"، التي يُفترض أن تمهّد لنزع سلاح المجموعات غير التابعة للدولة جنوب الليطاني، ونقل السيطرة إلى الجيش اللبناني، ثمّ انسحاب القوات الإسرائيلية، "لا تتقدّم كما كان متوقّعًا". وادّعت مصادر أمنية إسرائيلية أنّ الجيش اللبناني يواجه ما وصفته بـ"قيود قانونية" تمنع عناصره من تفتيش المنازل والمنشآت الخاصة داخل القرى من دون مسوّغ أو إذن قضائي، ما يدفعه إلى حصر جزء من عملياته في الأراضي المفتوحة والأماكن العامة. لكنّ هذه الرواية تفتح بابًا أبعد من مسألة التفتيش نفسها، لأنّها تنقل الخلاف إلى صلب السيادة اللبنانية: هل تريد إسرائيل من الجيش اللبناني دخول منازل اللبنانيين استنادًا إلى معلومات استخبارية تقدّمها هي؟ ومن يحدّد أصلًا أنّ منزلًا أو منشأة مدنية تحتوي على بنية عسكرية؟ وهل تحتفظ إسرائيل بحق رفض نتائج عمليات الجيش، ثمّ استخدام هذا الرفض ذريعة لتأخير انسحابها؟ ووفق النص العلني لـ"الإطار الثلاثي"، يُفترض أن ينتشر الجيش اللبناني في مناطق تجريبية، وينزع سلاح المجموعات غير التابعة للدولة ويفكّك بنيتها العسكرية بصورة قابلة للتحقّق، على أن تعمل الولايات المتحدة مع لبنان وإسرائيل لدعم عملية التحقّق. لكنّ النص المنشور لا يمنح إسرائيل سلطة مباشرة على الجيش اللبناني، ولا ينصّ على حقها في فرض عمليات مداهمة داخل الأملاك الخاصة أو تحديد الوسائل التنفيذية التي ينبغي للمؤسسة العسكرية اعتمادها. وهنا تظهر العقدة الأساسية التي كشفت عنها "يديعوت أحرونوت": لا يزال الخلاف قائمًا حول هوية الجهة التي ستتولى مراقبة أداء الجيش، والمعايير التي ستعتمدها، وما الذي ينبغي اعتباره "إنجازًا كافيًا" يسمح لإسرائيل ببدء الانسحاب. وأشارت الصحيفة إلى اقتراح سابق بإسناد مهمة الرقابة إلى قوات إيطالية، إلا أنّ هذه الصيغة لم تدخل حيّز التنفيذ. تكمن خطورة الطرح الإسرائيلي في أنّه قد يحوّل الانسحاب من التزام يفترض تنفيذه ضمن مسار متبادل إلى ورقة ضغط مفتوحة، مرتبطة بتقييم تل أبيب وحدها لأداء الجيش اللبناني. فإذا احتفظت إسرائيل بحق إعلان أنّ عمليات التفتيش أو نزع السلاح "غير مكتملة"، يمكنها، نظريًا، الإبقاء على وجودها العسكري أو تأخير الانسحاب، حتى لو نفّذت الدولة اللبنانية ما تسمح به قوانينها وصلاحيات مؤسساتها. وهنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه تقنيًا. فالمطلوب من لبنان، وفق هذا المنطق، لا يعود مجرد بسط سلطة الدولة جنوبًا، بل إقناع إسرائيل بأنّ هذه السلطة تُمارس بالطريقة التي تراها هي كافية. وهذا تحديدًا ما يمكن أن يحوّل آلية التحقّق من أداة لضمان تنفيذ متبادل إلى وسيلة تجعل الانسحاب الإسرائيلي مرهونًا بشروط متحرّكة لا يملك لبنان وحده تحديد سقفها. ولا تزال هذه الشروط، حتى الآن، واردة في تقرير يستند إلى مصادر أمنية إسرائيلية، من دون وثيقة تنفيذية منشورة تثبتها، أو موقف لبناني رسمي يوضّح ما إذا كانت قد طُرحت فعلًا على طاولة المفاوضات. إسرائيل ترصد تحوّلًا في أسلوب حزب الله وفي موازاة الضغط على الجيش، تقدّم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قراءة ميدانية جديدة لأسلوب عمل حزب الله، تقوم على افتراض أنّ الحزب بدأ التكيّف مع الضربات التي استهدفت بنيته الهجومية. وبحسب تقرير آخر لبن كيمون في موقع "واينت"، ترى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنّ الحزب ينتقل تدريجيًا من خطط الاقتحام الواسعة والتشكيلات الكبيرة إلى نموذج أكثر مرونة، يقوم على خلايا صغيرة وكمائن ومسيّرات مفخخة وعبوات ناسفة. وربط التقرير هذا التقدير بحادثة المسيّرتين التي أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاقهما باتجاه قواته، قائلًا إنّ إحداهما اعتُرضت، فيما سقطت الثانية من دون وقوع إصابات. لكنّ حزب الله لم يعلن رسميًا مسؤوليته عن المسيّرتين، ما يبقي الربط بين الحادثة والتحوّل المفترض ف