أحال وزير المال ياسين جابر مشروع قانون موازنة العام 2027 إلى مجلس الوزراء ضمن المهلة الدستورية، في خطوة تؤكد استمرار انتظام إعداد الموازنات السنوية بعد سنوات طويلة من التأخير. إلا أن انتظام المهل لا يعني بالضرورة انتظام السياسات. فالموازنة الجديدة، وإن حملت عنوان الاستقرار المالي وتعزيز الإيرادات، فإنّها تفتح في المقابل نقاشاً واسعاً حول كلفة هذا الاستقرار ومن سيدفع ثمنه، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد اللبناني يعاني من تداعيات الانهيار، ومن أعباء الحرب، ومن غياب خطة تعافٍ اقتصادية شاملة. المشروع لا يقتصر على أرقام الواردات والنفقات، بل يتضمن عشرات التعديلات الضريبية والإدارية والقانونية التي تطال مختلف القطاعات، من الشركات والعقارات إلى الرسوم الإدارية والاقتصاد الرقمي، ما يجعله أقرب إلى مشروع إصلاح تشريعي واسع منه إلى قانون موازنة سنوي بالمعنى التقليدي. ويكتسب الحديث عن التوازن المالي في موازنة 2027 أهمية خاصة في ضوء ما طرأ على موازنة 2026. فالموازنة التي أقرّها مجلس النواب على أساس عجز صفري، وُضعت قبل تجدد الحرب في آذار وما رافقها من نزوح واسع وتراجع في النشاط الاقتصادي والإيرادات وارتفاع في النفقات الطارئة. ووفق تقديرات معهد المالية، من المرجح أن تدفع تداعيات الحرب موازنة 2026 إلى عجز يتراوح بين 1 و2 بالمئة من الناتج المحلي، رغم عدم صدور أرقام نهائية رسمية بهذا الشأن. وبحسب المعطيات المنشورة عن المشروع، لا تتوقع وزارة المال تسجيل عجز في 2027، أي أن الهدف المعلن هو إبقاء النفقات والإيرادات عند مستوى متقارب وتحقيق عجز صفري. وتُظهر تجربة 2026 أن إقرار موازنة بعجز صفري لا يعني بالضرورة تحقيقه فعلياً، إذ أُقرت الموازنة قبل الحرب الأخيرة، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى تراجع الإيرادات وارتفاع النفقات المرتبطة بالنزوح والحاجات الإنسانية وإعادة الإعمار. أما مشروع موازنة 2027، فلا يتضمن حالياً عجزاً متوقعاً، إذ تستهدف الحكومة موازنة متوازنة بنفقات تقارب 6.87 مليارات دولار. إلا أن هذه الأرقام تبقى تقديرية وقابلة للمراجعة، خصوصاً أن المشروع لم يصبح قانوناً نهائياً بعد، وأن استمرار تداعيات الحرب قد يفرض تعديلات على الإيرادات والنفقات قبل إقراره. وتقدّر الحكومة حجم موازنة العام 2027 بنحو 6.8 إلى 6.9 مليارات دولار، مقابل نحو 6.1 مليارات دولار في موازنة 2026، أي بزيادة تقارب 13 في المئة. وترتكز الحكومة في مشروعها على فرضية تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3 في المئة، مع المحافظة على عجز مالي صفري للسنة الثالثة على التوالي، من خلال تمويل كامل النفقات من الإيرادات العادية، من دون اللجوء إلى الاقتراض أو تمويل استثنائي. لكن القراءة الفعلية للأرقام تظهر أن هذا التوازن لا ينتج عن توسع اقتصادي حقيقي، بل عن رفع مستوى الجباية وتحسين التحصيل الضريبي، في مقابل استمرار الإنفاق الجاري عند مستويات مرتفعة. تسعى الحكومة إلى زيادة الإيرادات بنحو 990 مليون دولار مقارنة بموازنة 2026، لترتفع الإيرادات المقدرة إلى حوالي 7.3 مليارات دولار. وتشكل الإيرادات الضريبية نحو 86 بالمئة من إجمالي الإيرادات، فيما تبقى مساهمة الإيرادات غير الضريبية محدودة. وتبقى الضرائب غير المباشرة المصدر الأساسي لواردات الدولة، إذ تمثل نحو ثلاثة أرباع الإيرادات الضريبية، وهو ما يعني عملياً أن العبء الضريبي ينتقل إلى المستهلك النهائي عبر الرسوم المفروضة على السلع والخدمات والاستيراد. وهذا الخيار ليس جديداً، لكنه يتكرس بصورة أوضح في موازنة 2027، مع توسيع قاعدة الرسوم لتشمل مئات البنود الجمركية. رسوم جديدة تطال مختلف القطاعات من أبرز ما يتضمنه المشروع فرض رسم بيئي إضافي على عدد واسع من السلع المستوردة، تتراوح نسبته بين 1 و3 بالمئة بحسب نوع السلعة. وتشمل الرسوم الجديدة: مواد البناء، الأجهزة الكهربائية، السيارات وقطع الغيار، المعدات الطبية، البلاستيك والزجاج، الورق والكرتون، المواد الكيميائية، الملابس والأحذية، المعدات والآلات الصناعية. ورغم أن نسب الرسوم تبدو منخفضة، إلا أن أثرها يتجاوز قيمة الرسم نفسه، لأن معظم هذه السلع تدخل في عمليات إنتاج أو تصنيع أو إعادة إعمار أو خدمات، ما يؤدي إلى انتقال الزيادة تدريجياً إلى أسعار المنتجات النهائية. من أكثر البنود إثارة للنقاش فرض رسوم على الإسمنت والحجر والجص والسيراميك والزجاج والخشب والدهانات والأنابيب البلاستيكية. وهذه المواد تشكل العمود الفقري لأي عملية إعادة إعمار أو ترميم للمنازل والمؤسسات المتضررة. وبالتالي، فإن أي زيادة في كلفة هذه المواد ستنعكس مباشرة على فاتورة إعادة البناء، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مليارات الدولارات لمعالجة الأضرار الناتجة عن الحرب. ويثير ذلك تساؤلات حول مدى انسجام السياسة الضريبية مع الحاجة إلى تسريع إعادة الإعمار،