دخلت مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان مستوى جديدًا من المواجهة الإقليمية، بعدما كشف مسؤولون مطّلعون أنّ إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنّها ستردّ بهجوم واسع في حال شنّت إسرائيل عملية عسكرية شاملة للسيطرة على المرتفعات، حيث يُعتقد أنّ عناصر من "الحرس الثوري" الإيراني موجودون إلى جانب مقاتلين من حزب الله. ونقلت وكالة "رويترز" عن ثلاثة مسؤولين اطّلعوا على مضمون الرسالة أنّ التحذير الإيراني نُقل إلى واشنطن خلال الشهر الماضي، فيما قال اثنان منهم إنّ أكثر من عشرة عناصر من "الحرس الثوري"، بينهم ضابطان رفيعان على الأقل، موجودون مع مقاتلي حزب الله في المنطقة. لكنّ هذه الرواية اصطدمت سريعًا بنفي أميركي، إذ قال مسؤول في البيت الأبيض، ردًّا على أسئلة "رويترز" حول الرسالة وما إذا كانت واشنطن قد مارست ضغوطًا على إسرائيل لمنعها من اقتحام علي الطاهر، إنّ "هذا غير دقيق". كما لم يصدر تعليق فوري عن البعثة الإيرانية الدائمة في جنيف أو وزارة الدفاع الأميركية أو وزارة الخارجية العُمانية، فيما رفض الجيش الإسرائيلي التعليق. وبذلك، تتحول علي الطاهر من عقدة ميدانية في جنوب لبنان إلى نقطة تتقاطع عندها ثلاثة مستويات، الصراع الإسرائيلي مع حزب الله، الحضور الإيراني المباشر أو المفترض على الأرض، وحدود قدرة واشنطن على ضبط التصعيد ومنع انهيار التفاهمات الإقليمية. وبحسب اثنين من المسؤولين الإقليميين الذين تحدثوا إلى "رويترز"، نُقلت الرسالة الإيرانية عبر سلطنة عُمان، التي لعبت دورًا في الوساطات بين واشنطن وطهران. وقال المسؤولان إنّ طهران أبلغت الجانب الأميركي أنّ أيّ هجوم إسرائيلي واسع للسيطرة على مرتفعات علي الطاهر سيقابَل بردّ إيراني كبير. أما المصدر الثالث، وهو مسؤول أجنبي قال إن لديه معرفة مباشرة بالرسالة، فأشار إلى أنّها نُقلت قرابة منتصف آب، مضيفًا أنّ ضغوطًا أميركية دفعت إسرائيل، وفق معلوماته، إلى تأجيل اقتحام المرتفعات. ويكتسب هذا الكلام أهمية إضافية لأنّ مرتفعات علي الطاهر باتت واحدة من أكثر النقاط حساسية في جنوب لبنان، في ظلّ إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها في المنطقة، وموقف حزب الله الذي يؤكد تمسّكه بها ورفضه أيّ تقدّم إسرائيلي نحوها. هل يوجد "الحرس الثوري" داخل المرتفعات؟ لكنّ واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في تقرير "رويترز" تتعلّق بالوجود الإيراني داخل علي الطاهر. ففي حين قال مسؤولان إنّ أكثر من عشرة عناصر من "الحرس الثوري"، بينهم ضابطان رفيعان على الأقل، موجودون إلى جانب مقاتلي حزب الله، رفض الحزب تأكيد أو نفي هذه المعلومات. وتتناقض هذه الرواية كذلك مع تقديرات إسرائيلية نقلتها صحيفة "معاريف"، ومفادها أنّ الجيش الإسرائيلي لا يعتقد بوجود عناصر أو مستشارين من "الحرس الثوري" داخل شبكة الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر. وهكذا، لا توجد حتى الآن رواية مستقلة تحسم مسألة الوجود الإيراني المباشر داخل الموقع، في ظلّ معلومات متناقضة صادرة عن مصادر أمنية وإقليمية مختلفة. حزب الله: التحذير الإيراني "استنتاج طبيعي" ولم يؤكّد حزب الله بصورة مباشرة وجود الرسالة الإيرانية، لكنه لم يستبعد إمكان حصولها. وقال المكتب الإعلامي للحزب لـ"رويترز" إنّ إرسال إيران تحذيرًا بشأن أيّ عملية إسرائيلية واسعة في المرتفعات يُعدّ "استنتاجًا طبيعيًا". وأضاف أنّ إيران تعتبر أيّ تحرّك إسرائيلي بري في جنوب لبنان، وخصوصًا أيّ توسّع جغرافي، "انتهاكًا كبيرًا لاتفاق إسلام آباد"، في إشارة إلى مذكرة التفاهم الأميركية، الإيرانية الموقّعة في حزيران، والتي شملت وقفًا لإطلاق النار في لبنان. ويعكس هذا الموقف محاولة واضحة لربط ما يجري في علي الطاهر بالإطار الإقليمي الأوسع، بحيث لا تعود العملية الإسرائيلية المحتملة مجرد مواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل مسألة قد تُفسَّر في طهران باعتبارها خرقًا لتفاهمات أوسع مع واشنطن. وفي الميدان، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية قائمة على الضغط والحصار بدل شنّ هجوم واسع حتى الآن. ونقلت "رويترز" عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله، في حزيران، إنّ عناصر من حزب الله عالقون تحت الأرض من دون طعام أو مياه. كما أشارت إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يعمل على منع وصول الإمدادات إلى الموجودين في المرتفعات، بما في ذلك إسقاط محاولات نقل الطعام والمياه بواسطة المسيّرات. وقال المكتب الإعلامي لحزب الله إنّ ما جرى خلال الشهر الماضي يعكس محاولة إسرائيلية لـ"حصار علي الطاهر وفرض واقع داخل المنشأة يجعلها غير قابلة للحياة". وأضاف أنّ اعتماد إسرائيل على هذا الأسلوب، بدل تنفيذ هجوم بري واسع، يجعل من الممكن الاستنتاج أنّ رسائل تحذير وصلت إليها عبر أكثر من دولة. وبحسب مصدر لبناني مطّلع على موقف حزب الله، لا يزال مقاتلو الحزب قادرين على الوصول إلى مواقعهم من الجهة الشمالية