أخطر ما في الحرب الإيرانية-الأميركية، أو الحرب الأوكرانية-الروسية حتى الآن، هو ضخامة رهانات أطرافها المباشرين وغير المباشرين، فالجائزة الكبرى في هذه الحرب قد تكون أم الجوائز، في أم الحروب عبر التاريخ، حيث يحصل المنتصر في هذه الحرب على مقعد في قيادة النظام الدولي المقبل، المفتوحة احتمالاته، بالتكنولوجيا واقتصاد المعرفة، على ما لم يسبق لبشر أن عرفوه. وبسبب ضخامة جوائز الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وفي أوروبا، يحدث هذا الاستقطاب الحاد والواعي بين أطرافها، وتتراجع أو تتلاشى فرص الإمساك بتلابيب حل وسط يمنح البشرية محطة وصول، أو فرصة لالتقاط الأنفاس. التسويات المحتملة في هذا النوع من الحروب، التي تتضخم جوائزها الكبرى حتى تستعصي نهاياتها على الحضور، تتراوح في الغالب بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: فإما استحواذ على مكاسب تسجلها الجغرافيا ولا ينكرها التاريخ، وإما تخلٍّ عن حقوق فشلت موازين القوة في حمايتها. حتى الآن، ما زال فلاديمير بوتين يطلق على حربه اسم "العملية العسكرية الخاصة"، بينما يتمسك دونالد ترامب بالحديث عن حربه ضد إيران باعتبارها محاولة لإبرام "صفقة"، بينما لا يملك أي مراقب منصف لما يجري في مسارح صراعات دولية متزامنة في إيران وأوكرانيا، وما حولهما، شجاعة الاعتراف بأن ما يجري هو حرب عالمية ثالثة، وأن جوهر الصراع في هذه الحرب غير المعلنة، حتى الآن، هو فكرة الاستحواذ على القرار الدولي، بالسيطرة أو بالتخلي. لن يتوقف الصراع قبل الوصول إلى معادلة يقبل أطرافه، بموجبها، المشاركة في الاستحواذ، أو التحلي بالتخلي، كما يقول المتصوفة. إدراك الأطراف الرئيسية والمباشرة في الحربين الدائرتين الآن، فوق مسرح الشرق الأوسط بتركيز على إيران، وفوق المسرح الأوروبي بتركيز على أوكرانيا، لحقيقة أن جوهر الصراع هو حول طبيعة النظام الدولي خلال نصف القرن الآتي، وهل هو نظام تواصل فيه الولايات المتحدة الاحتفاظ بالزعامة المنفردة لعالم تريده واشنطن أحادي القطب، أم أنه نظام تقتاده الصين وروسيا إلى عالم متعدد الأقطاب؟.. هذا الإدراك من شأنه أن يطيل أمد الحرب، لأن من يخسر هذه الحرب سوف يخسر، في الغالب، كل شيء، ومن يفوز بها سوف يربح كل الأوراق ولمدى زمني قد يطول. العالم الذي سوف تخلّفه حربا إيران وأوكرانيا ليس هو نفسه العالم الذي دخلتا الحرب تحت راياته، فقد اتسعت ساحاته لتصبح أكبر بعشرات المرات من ذات الخريطة التي شهدت حربين عالميتين في السابق، بعدما تمدد أو انكمش عنصرا الزمن والمسافة بفعل ثورة غير مسبوقة في تقنيات الاتصال. لقد أعادت الحرب في إيران وفي أوكرانيا تعريف عنصري الزمن والمسافة، فسمعنا عن "المسافة صفر"، وسمعنا عن "زمن اللازمن". هذه المعارك التي تدور الآن في المسافة صفر، وفي زمن اللازمن، تتحرك مكوناتها فوق مسرح عمليات لم تعرفه الإنسانية عبر كل الحروب، بما فيها الحرب الوحيدة التي شهدت استخداماً فعلياً للأسلحة النووية، وضعت بعده البشرية سقفاً "غير نووي" لكل الحروب. الحروب النووية باتت مستبعدة على المستويين العملي والأخلاقي، لكن الخوف النووي لم يضع بذاته سقفاً لأعتى الحروب، حيث ما تزال الحرب ممكنة، وما يزال السلاح النووي حاضراً فوق طاولة المساومات، يهدد وينذر ويتوعد، بما هو دون الانفجار وفوق الحريق. بمنطق الحساب، فإن الحرب النووية ما زالت مستبعدة، لكن الحرب التقليدية ما عادت تقليدية، لا بالوسائل ولا بالأفكار، حيث أتيح للرئيس الأميركي ترامب أن يعاين بنفسه كيف تستطيع أميركا تدمير آلاف الأهداف في إيران، لكنها لا تستطيع، على الرغم من ذلك، منع إيران من إعادة إنتاج منصات إطلاق صواريخ دقيقة ورخيصة، أصبح خصوم أميركا بعدها قادرين على رفع تكلفة الحرب بوتيرة أسرع من قدرة واشنطن على خفضها. بسبب ارتفاع كلفة الحرب على إدارة ترامب، ذهب البيت الأبيض إلى الإعلان عن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد إيران، بحصار قيل إنه يحجب عن إيران كل شيء، حتى الماء والهواء، لكن الصين وحدها، ببيان وحيد صادر عنها، أفرغت حصار ترامب من مضمونه، ولحق بها عالم ما بعد "بريكس"، ليتبين للكافة أن رهان ترامب على نفوذ الولايات المتحدة لم يعد مضموناً، بل إن الرجل الذي أسرف في الرهان على نفوذ بلاده وقدرتها الفريدة على التأثير يوشك أن يقوض الأسس الأخلاقية للولايات المتحدة كقوة عظمى لم تعد وحيدة بأي حال. بين إرادة الاستحواذ والسيطرة، وإرادة التخلي والتشاركية، لم تعرف العلاقات الدولية مثل هذا النموذج المؤلم في الحرب الإيرانية، لاختبار إرادة التخلي، وهو الاختبار الذي تقرر خلاله: تترك ماذا؟! من أجل أن تظفر بماذا؟! وهو ما بدأت به الحرب على إيران، حين قادت الحسابات المغلوطة ترامب إلى الاعتقاد بأنه لن يترك أي شيء وسيظفر بكل شيء، بعدما يتحقق من إسقاط النظام في إيران بضربة واحدة خاطفة فوق الرأس، كهدف