تتكشف يومًا بعد يوم استراتيجية إسرائيل التي تقوم على المماطلة وكسب الوقت عسكريًا، ضمن حدود إرضاء واشنطن الساعية إلى الحفاظ على غطاء التفاوض ومنع الانزلاق إلى انفجار واسع. وفيما تحرك السفير الأميركي ميشال عيسى بين بيروت وتل أبيب حاملًا مطالب لبنانية، ومحاولًا تأمين بيئة ملائمة لجولة المفاوضات المرتقبة في روما منتصف أيلول، تُظهر التطورات الميدانية أن حكومة بنيامين نتنياهو تمارس لعبة مزدوجة تخلط فيها التهدئة الإعلامية بعمليات توسيع النفوذ الميداني. وتستمر مرتفعات علي الطاهر والمحاور المحيطة بها في النبطية في صدارة المشهد الميداني، بوصفها النقطة الاستراتيجية الأكثر تعقيدًا. وفيما تكثف القوات الإسرائيلية عمليات الحصار والتضييق الخانق على المنشآت والأنفاق الأرضية التابعة لحزب الله في المرتفعات، لتفادي كلفة الاقتحام المباشر، كشفت تحذيرات إيرانية نُقلت عبر عُمان إلى واشنطن عن استعداد طهران لرد واسع في حال شن هجوم واسع النطاق على المرتفعات، ما يفسر جزئيًا ضغوط واشنطن لتجميد أي اقتحام بري واسع والاستعاضة عنه بالغارات الجوية والتفجيرات. في المشهد السياسي، يبدو الاستنفار الذي يقوده السفير عيسى ونظيره في تل أبيب مايك هاكابي محاولة أميركية لمنع انهيار "اتفاق الإطار" والحد من تداعيات الحصار على مرتفعات علي الطاهر. وفي هذا السياق، يبدو أن نتنياهو يحاول إبداء تجاوب ظاهري مع رغبات إدارة الرئيس دونالد ترامب في إنجاح مسار روما. وهو لذلك يستغل ملف الأسرى اللبنانيين ورقة تكتيكية، حيث يُرجح توقيت الإفراج عن خمسة أسرى لبنانيين كـ"مبادرة حسن نية" تُصرف بالتزامن مع انطلاق طاولة روما. لكن السلوك الإسرائيلي على الأرض يكشف عن تناقض حاد. فبالتوازي مع الترويج لخرق إيجابي في ملف الأسرى، أقدمت إسرائيل على خطف ثلاثة مواطنين جنوبًا، فيما تم الإفراج عن أسير واحد من سجونها. وتتقاطع القراءة السياسية مع التقويم الأمني الذي أوردته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، والذي أقر بتعثر برنامج "المنطقة التجريبية" ونزع السلاح بسبب امتناع الجيش اللبناني عن تفتيش المساكن. وهذا التعثر يستغله الجيش الإسرائيلي لفرض واقع جغرافي جديد عبر عمليات التجريف والتفجير المستمرة في بلدات مثل حولا وبني حيان وكفرتبنيت، تحسبًا لانتقال حزب الله إلى نمط اللامركزية وحرب العصابات عبر الخلايا الصغيرة والمسيّرات المفخخة. وتوحي المعطيات أن جولة المفاوضات المقبلة في روما لن تكون سوى محطة لإدارة النزاع، حيث تستمر إسرائيل في كسب الوقت لتعزيز "حزامها الأمني"، فيما تحاول واشنطن ضبط النار لمنع تحول علي الطاهر شرارة لمواجهة إقليمية شاملة. روما ليست هدنة: التفاوض تحت سقف الميدان ما تفعله إسرائيل، عمليًّا، هو الفصل بين التفاوض والتهدئة. فتل أبيب لا تتعامل مع انعقاد جولات سياسية بوصفه سببًا لتجميد عملياتها العسكرية، بل على العكس، تستفيد من المسافة الزمنية الفاصلة بين جولة وأخرى لتغيير المعطيات التي سيجري التفاوض عليها لاحقًا. وهكذا، عندما يصل المفاوضون إلى روما في منتصف أيلول، لن تكون خريطة الجنوب هي نفسها التي كانت قائمة خلال الجولة السابقة. تكمن هنا إحدى أهمّ نقاط الخلاف بين المقاربة اللبنانية والمنطق الإسرائيلي. فلبنان يدخل المسار طالبًا ترجمة مبدأ "الخطوة مقابل خطوة": انسحاب إسرائيلي يقابله تقدّم لبناني، وقف للاعتداءات يقابله تثبيت لسلطة الدولة، وإفراج عن الأسرى يساهم في توفير مناخ سياسي يسمح بالمضيّ في الملفات الأكثر حساسية. أما إسرائيل، فتبدو أقرب إلى إعادة صياغة المعادلة على نحو مختلف: أن يقدّم لبنان خطوات قابلة للقياس والتحقّق، فيما تبقى الخطوات الإسرائيلية تدريجية ومشروطة بتقييمها هي لمدى تنفيذ الطرف الآخر التزاماته. وهذا الفارق ليس تفصيلًا تقنيًّا. إنّه جوهر الصراع على وظيفة التفاوض نفسه. بالنسبة إلى بيروت، يفترض أن يكون التفاوض طريقًا نحو إنهاء الاحتلال والاعتداءات. أمّا بالنسبة إلى تل أبيب، فيبدو حتى الآن وسيلة لتثبيت شروط أمنية جديدة قبل الانسحاب. علي الطاهر: العقدة التي تضبط سقف الحرب في قلب هذه المعادلة تبرز مرتفعات علي الطاهر. فما يجري هناك تجاوز منذ فترة طويلة حدود العملية العسكرية الموضعية. المنطقة باتت نقطة اختبار لما تستطيع إسرائيل تحقيقه بالقوة، وما تستطيع واشنطن منعه، وما تعتبره إيران خطًّا أحمر يستدعي رفع مستوى التهديد. وبحسب معلومات نُقلت عن مسؤولين مطّلعين، أبلغت طهران واشنطن، عبر سلطنة عُمان، أنّ عملية إسرائيلية واسعة للسيطرة على المرتفعات قد تستدعي ردًّا إيرانيًّا كبيرًا. في المقابل، نفى البيت الأبيض دقّة الرواية المرتبطة بممارسة واشنطن ضغوطًا لمنع الاقتحام، فيما بقي الجيش الإسرائيلي على موقفه الرافض للتعليق. لكنّ الأهمّ من سجال التأكيد والنفي هو النتيجة الميدانية نفسها. إسرائي