لا يشبه الاستعداد للعام الدراسي الجديد في الجنوب اللبناني الأيام المعتادة. بينما تستعد المدارس لفتح أبوابها، وتعمل وزارة التربية على خطط لدمج بعض المدارس وتخفيف أعداد النازحين الموجودين فيها، لا تزال عائلات جنوبية كثيرة عاجزة عن حسم مكان استقرارها، وبالتالي مكان دراسة أولادها. بعض الأهالي قرروا البقاء في مناطق النزوح وتسجيل أولادهم في مدارس جديدة، بعدما فقدوا الأمل بعودة قريبة ومستقرة إلى بلداتهم. آخرون عادوا إلى الجنوب، لكنهم أبقوا احتمال التعليم من بُعد قائماً في حال تبدلت الظروف الأمنية. وهناك من لم يحسم قراره بعد، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية. رنا غنوي، أم لولدين كانت تقيم في كفررمان، وكان ولداها يدرسان في ثانوية السيدة للراهبات الأنطونيات في النبطية. حسمت قرارها، هذه السنة، لن يعودا إلى مدرستهما السابقة، بل ستبدأ العائلة مرحلة جديدة في صيدا. سجّلت غنوي أولادها في ثانوية مار يوسف، وبدأت البحث عن منزل قريب من مدرستهما الجديدة، بعدما طلب منها مالك المنزل الذي كانت تستأجره تسليمه. لم يكن القرار سهلاً، لكنه بالنسبة إليها بات أكثر أماناً من إبقاء أولادها رهينة احتمال العودة أو تجدد الحرب. تقول غنوي لـِ "المدن" إن المدرسة في النبطية أبلغت الأهالي أنها ستعتمد تسهيلات، وأن التعليم سيكون مدمجاً بين الحضوري ومن بُعد، إلا أن هذا الخيار لم يطمئنها. فبعد عامين من التعليم "أونلاين"، تقول إنها لمست تراجعاً في مستوى أولادها، ولا تريد أن تكرر التجربة، خصوصاً أن أحدهما يدخل هذا العام مرحلة دراسية مفصلية. وتضيف: "أولادي بعد سنتين "أونلاين" تراجع كثيراً مستواهم. هذا العام لدي تلميذ بريفيه، ومن الضروري أن يقرر مصيره من الناحية العلمية أو الأدبية. لا يمكنني أن أغامر بمصير أحد من أولادي". بالنسبة إلى أمّ لديها ولدان في سنّ الدراسة، لم يعد الأمر يحتمل الانتظار. فاختيار المدرسة هو أيضاً محاولة لحماية مستقبل الأولاد من سنة ثالثة من التعليم المتقطع أو عن بُعد. لكن انتقال العائلة إلى صيدا لم يضع حداً لكل الأسئلة. فهي لا تزال تبحث عن منزل، فيما بقي منزلها وحياتها السابقة في كفررمان خلفها. وتقول "أنا لست متفائلة أن أبقى في الجنوب. لا ننام الليل. كفررمان قريبة من عليّ الطاهر، ولا أعلم متى تتدهور الأوضاع". ثم تختصر قرارها بجملة لا تتعلق بالمدرسة وحدها: "أنا لست مضطرة أن أخاطر وأغامر. وضعي النفسي وعائلتي لا يسمحان". مدرسة في الجنوب.. وأونلاين عند الضرورة على مسافة أخرى من تجربة غنوي، لا تزال شهرزاد يونس تحاول إيجاد صيغة تسمح لابنتها بمتابعة تعليمها من دون أن تضطر العائلة إلى اتخاذ قرار نهائي بالرحيل. تسكن يونس في حبوش، وقد نزحت مع تجدد الحرب في آذار الماضي باتجاه قضاء جزين، حيث استأجرت منزلاً، لكنها بقيت تتردد بين مكان النزوح وبلدتها. المشكلة بالنسبة إليها ليست العثور على مدرسة فحسب، بل العثور على مدرسة مناسبة لابنتها وتدرّس اللغة الإنكليزية وقريبة من مكان إقامتها. تقول لـِ "المدن": "منذ السنة الدراسية الماضية أحاول أن أجد حلاً لمدرسة ابنتي. في محيطنا في جزين، لم أجد مدرسة قريبة ومناسبة وتدرّس اللغة الإنكليزية، وأنا لم أرغب في الأونلاين. لكن حتى الآن لم أجد الحل". بعد عام من البحث، يبدو أن الخيار الأقرب هو إعادة تسجيل ابنتها في مدرستها، بلال فحص، مع الاحتفاظ بالتعليم من بُعد كخطة بديلة إذا عاد الوضع الأمني إلى التدهور. تشرح: "من المرجح أن أعيد تسجيل بنتي في مدرسة بلال فحص، وإذا حصل أمر ما تعود لتدرس أونلاين". إم علي، من زوطر الشرقية، -بلدة لا تزال محتلة- وأم لأربعة أولاد، تعرف جيداً معنى أن تصبح العودة إلى البيت أمراً مؤجلاً إلى أجل غير معروف. منذ بداية الحرب، نزحت إلى برجا واستأجرت منزلاً هناك. وبينما بقي بيتها في الجنوب خارج قدرتها على العودة، كبر الأطفال واقترب موعد المدرسة. هذه المرة، لم يعد بإمكان العائلة الانتظار. قررت إم علي تسجيل أولادها الأربعة في مدرسة في برجا، في محاولة لمنحهم عاماً دراسياً أكثر استقراراً، حتى لو كان ذلك في مكان بعيد عن بلدتهم. تقول لـِ "المدن": "مع بداية الحرب استأجرت منزلاً في برجا، ومع بداية هذا العام الدراسي، ومن دون أفق واضح، قررت أن أسجل أولادي في مدرسة في برجا". قرار تسجيل الأولاد في مدرسة جديدة قد يبدو عادياً في ظروف أخرى، لكنه بالنسبة إلى عائلة نزحت من بلدة لا تزال غير قادرة على العودة إليها، يحمل معنى مختلفاً. فمع كل عام دراسي جديد، تضطر العائلة إلى إعادة ترتيب حياتها على أساس أن العودة قد لا تكون غداً. ولأن الأطفال لا يستطيعون البقاء في الانتظار، يصبح التسجيل في مدرسة جديدة نوعاً من محاولة استعادة الحياة اليومية: مدرسة، كتب، أصدقاء، وموعد صباحي يجب الالتزام به، حتى لو كان المنزل الجديد