لا حاجة إلى الاستماع إلى تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل، أو متابعة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية، لاستنتاج مطامع تل أبيب المتصاعدة في السيطرة على سوريا ولبنان، فالسلوك على الأرض بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كاف لفهم ما يدور في العقلية الإسرائيلية، ورغبتها في تثبيت السيطرة إلى أجل غير مسمى، وتوظيف المستجدات السياسية والميدانية في عموم المنطقة لتكريسها. وكان أحدث تلك الممارسات تنظيم الجيش الإسرائيلي وإشرافه على جولة لرؤساء السلطات المحلية في مستوطنات الجولان، داخل مناطق تحتلها إسرائيل في جنوب سوريا، بمرافقة قائد الفرقة العسكرية 210، المعروفة باسم "فرقة الجولان" (الباشان). واللافت أن المراسل العسكري لهيئة البث الإسرائيلية "مكان" علق على الجولة بالقول أن الزيارة تنظم في مناطق سورية وكأنها جزء من "الأراضي الإسرائيلية"، ما يؤكد أن الاستنتاج بشأن المآرب الإسرائيلية في تثبيت احتلال الأراضي السورية في الجنوب ليس هاجساً سورياً أو عربياً فحسب، بل يؤكده أيضاً مراسلون إسرائيليون متخصصون في الشأن العسكري، وقبل ذلك تصريحات قادة بالجيش الإسرائيلي عن جهود مستمرة لمصاردة أي سلاح في القرى والبلدات السورية الجنوبية، وكأنها عمق إسرائيل! وجولة رؤساء السلطات المحلية لمستوطنات في الجولان المحتل، هي الأولى من نوعها منذ التهام إسرائيل مزيداً من الأراضي السورية، عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. حيث اقتصرت الجولات الاستفزازية خلال الفترة الماضية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، وبمشاركة شخصيات محلية أحياناً، لكنها لم تأخذ من قبل شكل جولة لرؤساء بلديات وسلطات محلية، ينظمها الجيش الإسرائيلي ويشرف عليها. وخلال الجولة، روج قائد الفرقة الإسرائيلية 210، يائير بلاي، لـ"جهود" يبذلها الجيش لحماية القرى والتجمعات الإسرائيلية في منطقة الجولان، في إشارة إلى منظور تل أبيب الأمني القائم على أساس التعامل مع كامل الجنوب السوري بوصفه امتداداً لأمن الجولان المحتل والعمق الإسرائيلي، وهو تصور انتهازي يستخدم لتبرير قضم مزيد من الأراضي السورية مروراً بعمليات التوغل المستمرة. والحال أن هذا التصعيد في مستوى الجولات الاستفزازية في الجنوب السوري، يتزامن مع حملة من الادعاءات الإسرائيلية بشأن تنامي الحضور التركي في سوريا، عسكرياً وسياسياً؛ وهي حملة تصاعدت أكثر عقب استهداف إسرائيل "مطار أبو الظهور العسكري" في ريف إدلب شمال سوريا في آب/أغسطس الماضي، بذريعة منع تموضع قوات تركية فيه. ويتجلى التضليل الإسرائيلي بخصوص مضمون وحجم الانخراط التركي في سوريا، أكثر في مقال نشره الباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط، بنحاس عنباري، الذي شكك في صدقية السردية الإسرائيلية الرسمية حول وجود نوايا تركية للتمدد جنوباً، مشيراً إلى أن هدف نتنياهو هدف من وراء كل ذلك، كان خلق توتر مقصود مع تركيا لأهداف سياسية متعددة. وأبدى عنباري انسجامه وتأييده لمزاعم إسرائيل العسكرية بخصوص سوريا، لكنه انتقد التصريحات العلنية من نتنياهو والمسؤولين الإسرائيليين، بوصفها مؤججة للتوتر، مطالبا باتباع تكتيك "الصمت" لتمرير كثير من الممارسات الإسرائيلية بهدوء ومن دون "ضجيج"، إلى جانب تركيز النشاط العسكري في الجنوب السوري. وبرزت الانتهازية الإسرائيلية أكثر بطرح عنباري في مقاله، لضرورة وجود مصلحة إسرائيلية في تقسيم سوريا إلى منطقتي نفوذ، شمالاً لنفوذ تركي، وجنوباً لسيطرة إسرائيلية مباشرة، أي أن الباحث الإسرائيلي يطرح مبدأ مقايضة النفوذ مع تركيا، لتسويغ احتلال إسرائيلي أبدي للجنوب السوري ومن منظور عنباري، تتحول السياسة الإسرائيلية من الانخراط في وسط وشمال سوريا إلى "التركيز على الجنوب السوري والدروز"، ما قد يفتح المجال أمام نوع من التفاهم غير المعلن: ترسيخ تركي في الشمال مقابل ترسيخ إسرائيلي في الجنوب. وجاء أحدث تقرير لمراسل الشؤون العربي في قناة "كان" الإسرائيلية، روعي كيس، ليطرح الحضور التركي في سوريا، وكأنه موضوع للنقاش السوري والإسرائيلي والإقليمي، في مسعى إسرائيلي لا يبتعد عن محاولات تل أبيب تسويغ انتهاكاتها وممارساتها التوسعية في الجنوب السوري. وأعاد كيس نشر تقريره في "إكس"، مروجاً لما وصفها بأنها مقابلة خاصة مع شخص سوري اسمه مجد الدين محسون، واصفاً إياه بـ"مقاتل سوري سابق في فصيل مدعوم من تركيا" خلال الثورة السورية. ومن مقر إقامته في مدينة أعزاز في ريف حلب، حاول محسون أن يشرح كيف يبدو الوجود التركي من هناك. وحاول محسون إقناع إسرائيل أن حضور تركيا العسكري يقتصر على تدريب الجيش السوري، أكثر من كونه تموضعاً عسكرياً، مشدداً على أن سوريا تريد السلام وأن تعود إليها أراضيها المحتلة، وأنها لا ترغب بالحرب. ووجد كيس ضالته في جملة نطق بها محسون، حين