تواجه سوريا معضلة بين محاسبة مرتكبي جرائم عهد الأسد والحفاظ على السلم الأهلي، وسط نفاد صبر الضحايا ومخاوف من تحول بطء العدالة إلى موجة انتقام وصراع جديد، وفق "نيويورك تايمز". وقالت الصحيفة إن السوريين الذين تعرضوا لانتهاكات النظام السابق، خصوصاً خلال الحرب التي استمرت قرابة 14 عاماً، كانوا يتوقعون بعد سقوط حكم بشار الأسد عام 2024 محاسبة سريعة للمتورطين في القتل والتعذيب والمجازر، واستخدام الأدلة الموجودة في مواقع المقابر الجماعية لملاحقتهم. لكن السلطات الجديدة تبنت مساراً يوازن بين المحاسبة والمصالحة، خشية أن تؤدي ملاحقة أعداد كبيرة من المتورطين إلى تجدد الصراع الأهلي. وكان من أول إجراءات الرئيس السوري أحمد الشرع إعلان العفو عن الجنود العاديين في عهد الأسد، مع التعهد بملاحقة من "تلطخت أيديهم بالدماء"، في خطوة استهدفت استعادة الهدوء لكنها أثارت غضب كثير من الضحايا. وأنشأت الحكومة العام الماضي "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" للإشراف على العملية. وقال رئيسها عبد الباسط عبد اللطيف إن التحدي الأكبر هو الموازنة بين "القانون والمحاسبة، والسلم الأهلي والمصالحة الوطنية"، مضيفاً: "إذا قلت في سوريا: سأحاكم مليون شخص، فأنت تقول: لنخض حرباً أهلية أخرى". ويرى عبد اللطيف ومسؤولون مشاركون في العملية أن التعامل مع كثير من جرائم الحرب سيتطلب العفو والمصالحة، على أن تتركز المحاكمات على الانتهاكات الأشد خطورة، مثل استخدام الأسلحة الكيميائية والتعذيب والإعدامات في السجون والمجازر. ووفقاً للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 580 ألف شخص خلال الحرب، مع تأكيدها أن الحصيلة غير مكتملة. وبعد سقوط حكومة الأسد، أُطلق سراح أكثر من 24 ألف سجين، وهو عدد أقل بكثير مما كان متوقعاً، ما يشير إلى احتمال مقتل عدد كبير من نحو 140 ألف مفقود في سجون النظام أو أماكن أخرى. وحذر عبد اللطيف من أنه "إذا لم تتحقق العدالة والمحاسبة ولم يخضع كبار المجرمين للمحاكمة على المجازر التي ارتكبوها، فسنظل ندور في دوامة الانتقام". وقالت الصحيفة إن مؤشرات ذلك بدأت تظهر مع تزايد أعمال الانتقام من أشخاص متهمين بالتعاون مع النظام السابق أو المشاركة في جرائمه، بما يشمل القتل خارج نطاق القانون والضرب والتخريب. كما ظهرت أسماء متهمين بأنهم من "الشبيحة" على جدران دمشق، ووُزعت منشورات تهدد مخبرين وآخرين متهمين بالتورط في الانتهاكات. وقالت نائبة رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمستشارة في وزارة الخارجية زهراء البرازي إن أحد أكبر التحديات سيكون إقناع الضحايا وعائلاتهم بقبول بدائل عن الملاحقات الجنائية، مثل نموذج "لجنة الحقيقة والمصالحة" في جنوب أفريقيا أو التعويضات، مضيفة: "لا يمكننا سجن نصف مليون سوري. هذا لا يؤدي إلى قدرة السوريين على العيش معاً". وبحسب "نيويورك تايمز"، أدانت محكمة سورية الشهر الماضي بشار الأسد وثمانية آخرين بتهم القتل والتعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحكمت عليهم بالإعدام، في أول أحكام داخل سوريا مرتبطة بفترة الحرب. ولا يوجد من المدانين في قبضة السلطات سوى عاطف نجيب، ابن عم الأسد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، بينما يوجد الأسد في المنفى في روسيا. واتُهم نجيب بالإشراف على اعتقال وتعذيب أطفال كتبوا شعارات سياسية، وباستخدام القوة الوحشية ضد المحتجين. وقوبلت الأحكام باحتفالات داخل المحكمة وفي الشوارع، لكن خبراء حقوقيين أثاروا تساؤلات بشأن عدالة الإجراءات وشفافيتها. ووصف المحامي السوري ومؤسس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية أنور البني المحاكمة بأنها "عدالة استعراضية أكثر منها عدالة انتقالية"، وقال إن السلطات "تريد أن تظهر أنها بدأت، لكنها لا تملك القدرة على البدء". وأشارت الصحيفة إلى أن سوريا لا تزال تبني نظاما قانونيا جديدا، وتعمل على تشكيل فرق للطب الشرعي وتدريب القضاة وسن قوانين تتناول جرائم الحرب. وقالت الباحثة البارزة في "هيومن رايتس ووتش" هبة زيادين إن هناك "توتراً حقيقيا"، إذ لا يمكن إبقاء المشتبه بهم محتجزين إلى أجل غير مسمى من دون محاكمة، فيما يثير غياب المحاسبة مخاوف من لجوء المجتمعات إلى العدالة خارج المحاكم. وأضافت أن مسارات العدالة الانتقالية الناجحة "تحتاج إلى سنوات حتى تُبنى بصورة صحيحة". التضامن.. عظام الضحايا بين الأنقاض وسلط التقرير الضوء على حي التضامن في دمشق، حيث لا يزال أطفال يعثرون بين الأنقاض على عظام بشرية يُعتقد أنها لضحايا مجازر ارتُكبت في عهد الأسد، بينما كان السكان يأملون أن تجمع السلطات الرفات وتنبش المقابر الجماعية لاستخدام الأدلة في المحاكمات. ومن بين عائلات المفقودين فرجة طعمة العلي، 70 عاماً، التي تعتقد أن رفات ابنها عمر أحمد حسن موجودة في التضامن. واختفى ابنها عام 2013 بعدما خرج لاصطحاب ابنته من المدر