لم يكن الباب مجرد باب بل قطعة خشب أو حديد انتُزعت من مكانها، وحُملت من سجن صيدنايا إلى معرض دمشق الدولي، لتقف هناك شاهداً على زمن انتهى سياسياً، لكنه لم ينتهِ بعد في رؤوس الذين مروا من خلف أبوابه أو انتظروا طويلاً شخصاً لم يخرج منه. وحين وقفت امرأة أمامه ورأت اسم أخيها محفوراً عليه، انهارت وطلبت أن تأخذ الباب معها، بدا المشهد أكبر من معرض وأكبر من لحظة إنسانية تصلح للكاميرات. فجأة، لم تعد المسألة تتعلّق بما ينبغي أن نتذكره عن سجون الأسد، بل بما نفعله بالناس عندما نعيد إليهم ما حاولوا طوال سنوات أن يتعايشوا مع غيابه. ربما لم تسأل المرأة نفسها عن معنى الذاكرة الجماعية أو أهمية التوثيق أو ضرورة عدم نسيان الجرائم. تلك أسئلة نحبُ نحن الذين نقف خارجَ التجربة أحياناً، أن نضعها في جمل كبيرة. هي رأت اسم أخيها. وهذا يكفي لكي يعود العالم إلى لحظة واحدة: أين هو؟ ماذا حدث له؟ هل لمس هذا الباب؟ هل وقفَ خلفه؟ هل كتبَ اسمه لأنه كان يخشى أن يختفي من دون أثر؟ لا أعرف إن كانت قد خرجت من المعرض وهي تبكي، أو جلست في مكان ما بعد ذلك محاولة استيعاب ما حدث لها. لا أعرف من عاد معها إلى المنزل، ولا إن كان أحدٌ قال لها شيئاً يمكن أن يخفف وطأة أن تلتقي باسم أخيك على باب سجن بعد سنوات من الغياب. لكنني أعرف شيئاً واحداً: نحنُ جميعاً تأثرنا بالمشهد، وربما بكينا أمام الفيديو ثم أكملنا يومنا وهي وحدها ستبقى مع الباب. في سوريا نقول بلغتنا العامية "ما بدي آكل همك". لا تعني العبارة أنني لا أشعر بالحزن من أجلك، بل شيئاً أكثر جسدية وقسوة. الهم شيء يمكن أن تأكله، أن تبتلعه رغماً عنك ثم يستقر في داخلك ويصبح جزءاً من يومك ونومك ومعدتك وأفكارك. عندما تأكل هم شخص آخر، لا تعود مجرد متعاطف معه، بل تحمل شيئاً من ثقله. كأن المصيبة ولو قليلاً، لم تعد ملكه وحده. وربما هذا هو السؤال الذي تطرحه سوريا اليوم، من دون أن تنتبه إليه: هل نحن مستعدون فعلاً لأن نأكل همّ بعض؟ لقد اعتدنا على شكل آخر من الذاكرة في زمن الأسد، كان المطلوب أن ننسى، أن نصمت عن المعتقل وأن نخفّض أصواتنا حين نذكر أسماء الذين اختفوا. كانت العائلات تتعلم كيف تعيش بجانب السؤال، لا كيف تجيب عنه. صورة مخبأة في درج، ورقة قديمة، اتصال من رقم مجهول، شائعة من معتقل خرج، وعبارة تتكرر بين الناس "الله يفرجها". ثمّ سقط النظام، وبدأت مرحلة معاكسة تماماً. أصبحَ كل شيء قابلاً للرؤية. فُتحت السجون، ودخل الناس إليها، وصُورت الزنازين، وجُمعت الأوراق والملابس وبقايا الأسرّة والأبواب وأدوات التعذيب. صار ما كان مخفياً معروضاً أمام الجميع. وهذا ضروري، بالطبع. لا يمكن لسوريا أن تبني مستقبلاً عبر دفن أدلة الجريمة. لا يمكن أن نطلب من الضحايا أن ينسوا كي نشعر نحن بالراحة، ولا أن نمسح صيدنايا من الذاكرة لأنّ النظر إليه مؤلم. المشكلة ليست في أن نعرض آثار الجريمة. بل عندما نعتقد أن ّعرض الألم هو نفسه الاعتناء بمن عاشه. وما بين إخفاء الذاكرة وتحويلها إلى معرض، توجد مساحة كاملة اسمها الرعاية. ولا أعرف إن كنا دخلنا إليها بعد. الدولة تستطيع أن تنقل باباً من صيدنايا إلى دمشق. المؤسسات تستطيع أن تنظّم معرضاً، والإعلام يستطيع أن ينقل الدموع، والناس تستطيع أن تزور المكان وتخرج متأثرة. لكن ماذا يحدث للشخص الذي لم يزر المعرض بوصفه زائراً، بل دخل إليه ليجد نفسه فجأة داخل المعروضات؟ هذه هي المفارقة التي أخافُ منها أكثر من أي شيء آخر. يمكن للذاكرة أن تكون عدالة، ويمكن أن تكون توثيقاً، ويمكن أن تكون ضمانة لعدم التكرار… لكنها قد تتحول أيضاً إلى شكل آخر من إعادة إنتاج العنف إذا استدعينا الضحية إلى جرحها ثم تركناها وحدها بعد انتهاء المشهد. فهناك فرق بين أن تقول لشخص: "لن ننسى ما حدث لك"، وأن تقول له، عملياً: "سنساعدك على العيش بعد أن نتذكره". الأولى عبارة سهلة بينما الثانية مشروع بلد. في المستقبل ستصبح سوريا مليئة بالذاكرة. هذا شبه مؤكد. ستتكون متاحف ومراكز توثيق وأفلام وشهادات وكتب وصور ومحاكمات وربما مناسبات سنوية لإحياء ذكرى المجازر والسجون والمفقودين. ستظهر أسماء لم نكن نعرفها، وقصص لم تسمح العائلات لأنفسها بروايتها سابقاً. سنكتشف، على الأرجح أنّ حجم ما حدث أكبر مما كنا نحتمل تخيله. لكن الخطر هو أن نتحول إلى بلد يعيش داخل متحف مفتوح لماضيه. كل جدار شاهد، كل باب أثر، كل مناسبة استدعاء، وكلّ صورة مناسبة للبكاء. ننتج ذاكرة ضخمة جداً، ثم نكتشف أنّ الناس الذين صُنعت هذه الذاكرة من أجسادهم وحياتهم لا يزالون وحدهم. فماذا نفعل حين تنهار امرأة لأنها وجدت اسم أخيها؟ هل نصور المشهد ونصفق لنجاح المعرض في إثارة المشاعر؟ هل نعتبر دموعها دليلاً بأنّ الذاكرة وصلت لهدفها؟ أم نسأل عن من سيأكل همها بعد أن تغلق الكاميرات؟ لقد عاش السوريون وهم يتعلمون كيف ينجون وح