اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت رسمياً ولأول مرة بمسؤولية إسرائيل عن اغتيال الضابط السوري الرفيع محمد سليمان، مُنهياً بذلك ثمانية عشر عاماً من التكهنات والغموض المحيطة بالعملية التي استهدفت أحد أبرز مسؤولي التسليح والمشروع النووي السوري على ساحل طرطوس مطلع آب/أغسطس 2008. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن كتاب حديث لأولمرت أن عناصر من وحدة الكوماندوز البحري "شاييتت 13" هم من نفذوا العملية بالتسلل بحراً واغتيال سليمان داخل منزله الصيفي أثناء تناوله العشاء على الشرفة مع ضيوفه. ويوثق هذا الاعتراف المباشر تصفية أحد أكثر الشخصيات نفوذاً وغموضاً في الدائرة الضيقة المحيطة برئيس النظام السوري السابق بشار الأسد، والرجل المسؤول عن إدارة الملفات السرية للتسليح والعلاقات العسكرية مع إيران ونقل الأسلحة لحزب الله والمفاعل النووي. ولد سليمان عام 1959 في بلدة الدريكيش بمحافظة طرطوس، وتخرج من كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة دمشق قبل أن يلتحق بالكلية الحربية ويتخرج ضابطاً مهندساً. وأُوفد لاحقاً إلى الاتحاد السوفييتي حيث حصل على الماجستير والدكتوراه في مجالات مرتبطة بتطوير الأسلحة، وهو ما مهّد لصعوده داخل المؤسسة العسكرية السورية. وارتبط صعوده المبكر بعائلة الأسد؛ إذ عمل في الحرس الجمهوري، ثم أصبح مديراً لمكتب باسل الأسد ومستشاره العسكري، قبل أن ينتقل بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة إلى دائرة أكثر قرباً من الرئيس، حيث تولى إدارة مكتب بشار الخاص وأشرف على ملفات عسكرية وأمنية شديدة الحساسية. ولم يكن نفوذ سليمان مرتبطاً برتبة عسكرية فقط، بل بطبيعة الملفات التي أُوكلت إليه؛ ووفق المعطيات المتداولة، كان مسؤولا عن الأسلحة الاستراتيجية والمشتريات العسكرية، وشارك في إدارة العلاقات العسكرية مع إيران، فضلاً عن دوره في عمليات نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله. وتبرز أهمية اسمه بصورة خاصة في قضية المفاعل النووي السوري في دير الزور الذي دمرته إسرائيل عام 2007، إذ تنسب الرواية الإسرائيلية إليه دوراً محورياً في المشروع وفي الاتصالات السرية مع كوريا الشمالية، وهو ما جعله من وجهة نظر إسرائيلية شخصية تمتلك معرفة واسعة بأحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة. وفي 2 آب/أغسطس 2008، قُتل سليمان في منزله الصيفي قرب طرطوس أثناء وجود ضيوف معه. وبحسب الرواية التي نقلتها صحف إسرائيلية عن أولمرت، فقد تسلل منفذو العملية من البحر، وحددوا سليمان من بين الموجودين، ثم أطلقوا ثلاث رصاصات قبل الانسحاب بالقوارب. وقال أولمرت في كتابه "أريزونا كلنا" الصادر عن دار "يديعوت أحرونوت": "في اليوم الذي قُتل فيه سليمان، خرج مقاتلونا من الماء، وهم قناصة ماهرون. كان هو وضيوفه يجلسون على الشرفة، واقترب المقاتلون تحت ستار الظلام إلى مسافة 150 متراً من جانبي الشرفة، وتعرفوا إليه بدقة. ورغم وجود عدد غير قليل من الناس على الشاطئ، لم يلاحظهم أحد، وعندما أُعطيت الأوامر، أُطلقت ثلاث رصاصات باتجاه سليمان، أصابت مؤخرة عنقه، وسقط رأسه إلى الخلف، ثم انسحب المقاتلون عائدين إلى الماء، في طريقهم إلى القارب الذي جمعهم". ووفق أولمرت، فإن وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش السوري لم يكونا يعلمان مطلقا بوجود المفاعل النووي، وكان سليمان هو من يقف خلف المشروع وعمل على إخفاء العمل به لسنوات. اللافت أن دمشق التزمت الصمت في البداية، قبل أن تعلن مستشارة بشار الأسد آنذاك بثينة شعبان مقتل سليمان من دون الكشف عن تفاصيل العملية أو توجيه اتهام علني إلى جهة محددة. وهذا الصمت غذّى لسنوات فرضيات متعددة، من بينها احتمال أن يكون الاغتيال مرتبطاً بصراعات داخلية في النظام السوري، خصوصاً أن تقارير في ذلك الوقت تحدثت عن توترات بين سليمان وبعض أقطاب المؤسسة الأمنية، خصوصاً آصف شوكت صهر بشار الأسد. وتكمن أهمية التطور الجديد ليس في كشف تفاصيل عملية الاغتيال وحسب، وإنما في انتقال الرواية من مستوى التكهنات والتسريبات إلى اعتراف إسرائيلي منسوب إلى رئيس وزراء سابق بمسؤولية إسرائيل عن العملية. ولم يكن سليمان اسماً بارزاً في الواجهة السياسية السورية، لكنه بحسب معطيات عدة كان من أكثر الرجال اطلاعاً على أسرار الدائرة الضيقة المحيطة بالأسد؛ إذ امتدت مهماته من التسليح والعلاقات مع إيران وحزب الله إلى المشروع النووي السوري المزعوم، وهو ما جعل اغتياله يتجاوز كونه تصفية لضابط سوري إلى عملية ذات أبعاد استخباراتية وإقليمية واسعة. وبعد سنوات من الغموض، أعاد الاعتراف الإسرائيلي رسم صورة الرجل والعملية معاً بوصفه ضابطاً يعمل في الظل، ويحمل أسراراً استراتيجية، وينتهي به الأمر هدفاً لعملية تصفية دقيقة داخل الأراضي السورية.