قبل سنوات قليلة كان الحديث عن مواجهة عسكرية مباشرة بين تركيا وإسرائيل يبدو أقرب إلى السيناريو النظري. العلاقات بين البلدين مرت بأزمات حادة منذ حادثة سفينة "مافي مرمرة" عام 2010، لكنها حافظت، رغم ذلك، على قدر من العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية والأمنية. وحتى قبل أيام من هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان بنيامين نتنياهو ورجب طيب أردوغان يلتقيان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. اليوم تبدو الصورة مختلفة. السؤال لم يعد عن سوء العلاقات بين أنقرة وتل أبيب وحسب، بل عن احتمال احتكاك عسكري مباشر بين قوتين إقليميتين كبيرتين أصبحت قواتهما ومصالحهما تتقاطع في الجغرافيا نفسها، وتحديداً في سوريا. وقد كشفت الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا مدى خطورة اللحظة. إسرائيل استهدفت القاعدة بعد زيارة وفد عسكري تركي لها، وسط احتمالات استخدامها ضمن خطط أنقرة لتوسيع وجودها العسكري. وبحسب المبعوث الأميركي توم براك، لم تكن تركيا قد تلقت تحذيراً مسبقاً، ورصدت الطائرات الإسرائيلية وهي تتحرك شمالاً، وكان من الممكن أن تتعامل معها عسكرياً، لكن "العقول الهادئة"، بحسب تعبيره، حالت دون ذلك. وتعمل واشنطن الآن على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين الأطراف. هذه الواقعة تعيد طرح السؤال: هل أصبحت المواجهة التركية - الإسرائيلية حتمية، أم أننا أمام لعبة ضغط وردع متبادل ستبقى تحت سقف الحرب؟ هناك رؤية لدى أطراف إسرائيلية مثيرة للاهتمام ترى أن السابع من أكتوبر لم يغير فقط علاقة إسرائيل بـ"حماس" أو إيران، بل غيّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية نفسها. إسرائيل ما بعد 7 أكتوبر لم تعد مستعدة، وفق هذه القراءة، لانتظار تحول الخطر المحتمل إلى قدرة عسكرية فعلية، بل تريد ضرب القدرة قبل اكتمالها. المشكلة أن هذه العقيدة، إذا اتسع نطاق تطبيقها، يمكن أن تجعل كل تغيّر في موازين القوى الإقليمية تهديداً محتملاً لإسرائيل. وهنا تصبح تركيا جزءاً من المشكلة حتى إذا لم تكن تخطط أصلاً لمواجهة إسرائيل. وسوريا هي المكان الذي يظهر فيه هذا التناقض بأوضح صورة.