مصر كتاب من الحكايات تقلّبه بلا ملل. كلما اقتربتْ منها السينما بعيداً من صورتها السياحية أو سردياتها الكبرى، انفتحت أمامها طبقات أخرى من الحياة، أكثر تواضعاً وربما أكثر ثراءً. في "البرانية" المعروض في قسم "أيام المؤلفين" ضمن الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي (2 - 12 الجاري)، تذهب المخرجة أشجان الهمص إلى قرية مصرية، محاطة بحقول القمح، لتنجز فيلماً يبدو في ظاهره شديد البساطة، لكنه يترك خلفه أسئلة كثيرة عن الأرض، والرحيل، والأسرة، وما الذي يبقى للإنسان حين تضيق أمامه خيارات الحياة. قراءة نقدية في فيلم "البرانية" لأشجان الهمص تتعامل الهمص مع شخصياتها بحنان كبير. لا تستغلّ ضعفها لتحويلها مادة لـ"سينما البؤس" التلصصية التي تتغذّى من آلام الآخرين وتحوّل الفقر إلى فرجة. لذلك، تبدو الشخصيات كأنها تعيش أمام الكاميرا أكثر ممّا تؤدّي أدواراً محدّدة. الأب حين يتحدّث لا يحتاج إلى الكثير من الكلمات، ثلاثة تختصر موقفه كله: "ما عندناش أرض للبيع". يتولّد الفيلم من أحاسيس بسيطة لا تنتبه إليها إلا عين فاحصة، سينمائية. ومن كثرة ما هو جميل في تفاصيله، ننسى أحياناً أننا أمام عالم شديد القرب من الوثائقي. فتحضر، بصورة أو بأخرى، عبارة جان لوك غودار الشهيرة عن وجود الروائي في الوثائقي والوثائقي في الروائي. أسئلة كثيرة عن الأرض والرحيل والأسرة. الأسلوب "ناتورالي". تعيد المخرجة بعض المشاهد والمواقف، لكن الإضافة في كلّ مرة لا تكون بالضرورة على مستوى القصّة، وإنما على مستوى الشعور الذي يتنامى في داخلنا. نحن سنعرف شيئاً أكثر، أو نشعر بشيء مختلف، ليصبح التكرار بناء دراميا خفيا. طوال المشاهدة ننتظر فجيعة. نشعر بأن شيئاً على وشك الحدوث، ونستعد له، ثم لا يحدث. يلعب الفيلم على توقّعاتنا، ويتركنا في حالة ترقّب لا تجد تفريغها التقليدي. هذه طريقة للقول إن الخطر الحقيقي ليس بالضرورة حدثاً درامياً، وإنما ذلك التأكل البطيء الذي يصيب واقعا كاملا.يأتي الخطر في هيئة رجل يريد شراء الأرض. تبدو المسألة في البداية صفقة عقارية، لكنها سرعان ما تتحوّل إلى استعارة عن عالم يريد أن ينتزع من الرجل الشيء الوحيد الذي يمنحه معنى واستمرارية: الأرض. في المقابل، هناك وعد بالمدينة، بالحياة الجديدة، بالشقّة، وبـ"البلكونة". لكن الأم تحسم المسألة بعبارة تختصر عالم الفيلم كله: "نحن مش بتوع بلكونات". الأرض في الفيلم أكثر من ملكية. إنها الذاكرة، والعائلة، والعمل، والانتماء، وربما الوهم الأخير بأن الإنسان يستطيع أن يظلّ في المكان الذي يعرفه. لكن الفيلم يعرف أيضاً أن الرحيل قادم. تقول الابنة، إن مصير الجميع هو الرحيل. ولعلها هي نفسها سترحل، رغم مولودها الجديد، ولن يكون هذا الطفل كافياً كي يربطها بالأرض التي نشأت عليها. ذهابها إلى القاهرة يبدو محاولة لملامسة عالم آخر، والدخول في جلد مكان جديد. لكنها تكتشف، وربما لا تكتشف تماماً، أن المدينة قد تكون مسرحاً آخر للزيف: طلاء أظفار النساء، أحاديثهن، وكلّ ما يبدو حديثاً ومغرياً. ربما كان من الأفضل، في بعض الأحيان، أن نعرف أكثر عن الأطفال وأن نحصل على مساحات أوسع داخل ذواتهم. لكن يمكن فهم هذا النقص بوصفه جزءاً من اختيار فيلم لا يريد أن يشرح كلّ شيء. ومن أجمل ما في "البرانية" التقاطه الطقوس. مشهد العزاء عند موت الجدّة، مثلاً، يكشف عن سينما تعرف كيف تتعامل مع الأشكال الأصيلة وتصونها، وتعرف أن الطقس الشعبي يمكن أن يحمل دراما كاملة من دون حاجة إلى تفسير. حتى حين نرى حقلاً من السنابل، لا نستدعي في الضرورة لوحة بعينها، نفكّر في الفيلم نفسه. وهذه علامة مهمّة، ويعني ان الفيلم يبني عالماً بصرياً خاصاً به. الريف المصري بلا ماكياج واستعراض. يتكثّف الفيلم كله في حوار قصير بين الجدّة وحفيدتها وهي تشاهد مسلسلاً على التفلزيون. تقول الجدة: "لا تعتقدي أن هؤلاء سعداء". ترد الحفيدة: "لم أقل ذلك". يأتي جوابها مميزاً، يحمل دلالات تساعد في فهم الفيلم: "لم تقولي، ولكن فكرتِ فيها". تقول أشجان الهمص إن "البرانية" هي القرية التي تنحدر منها عائلتها، وإن زيارتها الأولى لها جعلتها تشعر، منذ اللحظة الأولى، بأنها جزء من جماعة أكبر. وسط عائلة تعيش كلها في ستين متراً مربعاً، وجدت معنى التضامن والانتماء الذي افتقدته في حياة أكثر فردانية في الغرب. لذلك، يأتي الفيلم، في أحد مستوياته، دفاعاً عن العيش البسيط ونقداً للرأسمالية. وهذا ما يمنحه صدقه. "البرانية" فيلم غير مدّعٍ، ولا يحاول أن يتشبّه بالسينما الأوروبية كي يبدو "سينمائياً". يثق بما لديه: شخصياته، مكانه، إيقاعه، وطقوسه. وهو يذكّرنا بأن القصّة الكبيرة لا تصنع في الضرورة فيلماً عظيماً، وأن الأفلام العظيمة تحتاج أحياناً إلى أقل الأشياء. ينتهي الفيلم ويورطنا في "هموم" لم نكن على علم بها. ماذا سيحدث لهذه العائ