لا تكمن خطورة إعلان إسرائيل تحقيق "السيطرة العملياتية" على مرتفعات علي الطاهر في خسارة نفقين أو موقع قتالي فحسب، بل في سقوط عقدة عسكرية متقدمة راكم فيها حزب الله، وفق الرواية الإسرائيلية، بنية تحت الأرض استغرقت سنوات من العمل والتمويل. فالجيش الإسرائيلي أعلن أن قوات الفرقة 36 حققت سيطرة فوق الأرض وتحتها، وأخلت مسارين من مقاتلي الحزب، بعدما قُتل بعضهم وانسحب آخرون. كما ادعى العثور على غرف قيادة ومستودعات أسلحة ومولدات وأماكن مبيت ومرافق تسمح بإدارة القتال والبقاء تحت الأرض لفترات طويلة. لكن الإعلان يبقى رواية إسرائيلية لم تؤكدها أي جهة مستقلة، فيما لم يصدر حتى الآن ردّ عن حزب الله أو الجيش اللبناني. كذلك لا تعني عبارة "السيطرة العملياتية" بالضرورة احتلال كل متر من المرتفعات، بل قد تشير عسكرياً إلى امتلاك حرية الحركة والنار، والسيطرة على المنشآت الأساسية، ومنع الخصم من استخدام المنطقة بفاعلية. إذا صحّت الرواية الإسرائيلية، فإن الخسارة الأولى لحزب الله ميدانية. فالمرتفعات تمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة محاور واسعة باتجاه النبطية وإقليم التفاح، وتوفر نقطة متقدمة للرصد والحماية وإدارة العمليات. وتعطيل منشآتها يعني دفع خطوط الحزب إلى الخلف وتضييق قدرته على الحركة والإمداد في المنطقة. أما الخسارة الثانية فهي في البنية التحتية نفسها. فالمسارات تحت الأرض لم تكن مجرد ملاجئ، بل منشآت يُفترض أنها صُممت لإقامة المقاتلين وتخزين السلاح وإدارة القتال تحت القصف. وإذا نجحت إسرائيل في كشفها وتدميرها، يكون الحزب قد خسر بنية يصعب تعويضها سريعاً، لا كمية من السلاح يمكن استبدالها. وقد تكون الخسارة الاستخبارية أكثر خطورة من خسارة الموقع. فدخول شبكة مماثلة يسمح لإسرائيل بدراسة أسلوب البناء، وتوزيع الغرف، وطرق التهوئة والإمداد والاتصال، ما قد يساعدها على اكتشاف منشآت مشابهة في مناطق أخرى. في الحروب السرية، قد تكون المعلومات التي تؤخذ من النفق أثمن من النفق نفسه. الخسارة الثالثة تطاول صورة الردع. فإسرائيل تحاول القول إنها انتقلت من حصار علي الطاهر إلى اقتحامها، على الرغم من الهجمات بالمسيّرات والتحذير الإيراني من شن هجوم واسع عليها. وإذا بقي إعلانها من دون رواية مضادة أو رد عسكري، فسيسوّق بنيامين نتنياهو العملية باعتبارها دليلاً على أن الضغط العسكري كسر أحد "الخطوط الحمراء" من دون إشعال مواجهة إقليمية. وهنا يظهر البعد الانتخابي. فنتنياهو يحتاج إلى "صورة نصر" يقدمها إلى الإسرائيليين، ولا سيما سكان الشمال، بعدما طالت الحرب وتعثر تنفيذ الترتيبات في جنوب لبنان. لذلك اختيرت عبارة كبيرة من نوع "السيطرة فوق الأرض وتحتها"، رغم إقرار الجيش نفسه بأن العمل على تعطيل الأنفاق لم ينته بعد. لكن الخسارة الأبعد أثراً قد تكون سياسية. فكل يوم تبقى فيه القوات الإسرائيلية في علي الطاهر يحوّل تقدمها العسكري إلى ورقة تفاوضية تستخدم في محادثات روما. وقد تشترط إسرائيل، قبل إعادة التموضع، انتشار الجيش اللبناني، ووضع آلية للتفتيش والمراقبة، والحصول على ضمانات تمنع عودة حزب الله إلى المرتفعات. بذلك تنتقل المعادلة من "الانسحاب الإسرائيلي ثم انتشار الجيش"، إلى صيغة مختلفة: إسرائيل تحتل الموقع وتدمر منشآته، ثم تفاوض على ثمن مغادرته. ومع ذلك، يحمل البيان الإسرائيلي ثغرات لم تُحسم. فهو يتحدث عن مسارين تحت الأرض، لا عن اكتشاف كامل الشبكة، ويقول إن بعض المقاتلين انسحبوا من المنطقة، من دون توضيح كيفية خروجهم بعدما تحدثت إسرائيل طويلاً عن حصار محكم. وهذا يفتح احتمال بقاء مسار شمالي لم تصل إليه القوات، أو انسحاب المقاتلين قبل إطباق الحصار، من دون أن يثبت وجود تفاهم سري كما قد يُشاع. لذلك، لا يمكن القول بعد إن إسرائيل أنهت وجود حزب الله في كامل مرتفعات علي الطاهر. المؤكد أنها أعلنت تحقيق اختراق ميداني مهم؛ أما حجم السيطرة، وعدد القتلى، ومصير المنسحبين، ومدى تدمير الأنفاق، فكلها مسائل لا تزال بلا إثبات مستقل. وإذا ثبتت الرواية الإسرائيلية، يكون حزب الله قد خسر موقعاً مرتفعاً، وبنية محصنة، وجزءاً من حرية حركته، وتلقى ضربة في صورة ردعه. لكن السؤال الذي سيحدد النتيجة النهائية ليس ما الذي دخلته إسرائيل، بل ما الذي ستفعله بعد ذلك: هل تنسحب لمصلحة الجيش اللبناني، أم تحوّل علي الطاهر إلى موقع احتلال جديد تفاوض لبنان على ثمن استعادته؟