من حقّ سوريا الكامل أن تقارب العلاقة مع إسرائيل بالسبل التي تحقق مصالح البلد. من حقّ لبنان أيضاً أن يذهب المذاهب التي يراها مواتية لوقف الحرب وكبح الكارثة. ووفق قوانين المصلحة التي تفرضها سيادة البلدين، وجب على دمشق وبيروت إدارة ملف التفاوض. ولئن تجري دمشق مفاوضات، كانت سبّاقة على بيروت، مع إسرائيل، فليس خطأً أن تذهب العاصمتان إلى مفاوضاتهما بالشروط السورية وتلك اللبنانية بما لا يتطلّب تنسيقاً مسبقاً وارتهاناً متبادلاً للمواقف والمقاربات. يكفي ما يصدر عن دمشق من عزم على احترام سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه لينسحب ذلك على ملف التفاوض مع إسرائيل. وإذا ما ذهبت سوريا بعد أيام من هجمات إسرائيل على مطار أبو الظهور إلى إرسال وزير الخارجية للقاء رئيس الموساد بدفع أميركي، فإن في ذلك ما يدفع بيروت إلى الاستفادة من هذا التطوّر لاستدراج واشنطن إلى تدخل يرقى إلى مستوى ذلك الذي عبّر عنه المبعوث الرئاسي الأميركي توم برّاك، سواء في عدم الاعتراف باحتلال الجولان أو بإدانة قصف "أبو الظهور" ورسائله. لا يحتاج التفاوض اللبناني مع إسرائيل إلى تنسيق مسبق مع سوريا. فلا نيات في بيروت للقفز إلى تفاهمات تنال من أمن سوريا ومنعتها. ولئن تبقى مزارع شبعا ملفاً متداخلاً بين لبنان وسوريا وإسرائيل، غير أن الأمر ليس أولوية داهمة لكل الأطراف تحتاج حسماً فورياً. وإذا ما تقارب دمشق صراعها مع إسرائيل وفق منطق ثوابتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية ومتطلّبات البراغماتية التي نعتمدها عقيدة ونهجاً، فإن سرعة استجابتها للتطوّرات الميدانية الأخيرة تقوم على سيطرة على الداخل واحتضان لديناميات سياساتها من قبل الخارج.