ما كانت حياته سهلة؛ لكن الفنان، في أكثر الأيام قسوة، غالباً ما يجد في فنّه ملجأً ومساحة لا تطالها يد الخوف. قبل أن يصبح رياض نعمة فناناً تشكيلياً يطوف بذاكرته بين بغداد ودمشق وبيروت، كان طفلاً يدفن الكتب تحت الأرض. في سنوات الحرب والخوف، كان لا بدّ لرياض وشقيقه من حماية الكتب من المصادرة والملاحقة، حتى لو كان ذلك يعني أن تختفي تحت التراب. المشهد قد صار اليوم بعيداً، لكنه حاضر في ذاكرة الفنان العراقي، والكتب المدفونة أطبقت صفحاتها على أسئلته عن الخوف والحرية والرقابة والإنسان. بعد سنوات طويلة، استعاد ذاكرته وهو يجلس أمام نايلة تويني في حلقة جديدة من "بودكاست مع نايلة"، مسترجعاً رحلةً بين ثلاث مدن وبين مراحل مختلفة من حياته وفنه. وُلد رياض نعمة في بغداد عام 1968، وفيها بدأت علاقته بالفن. درس في كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد، وتخرّج عام 1992 متخصصاً في التصوير. لكن المدينة التي منحته البدايات والذاكرة لم تمنحه فرصة إقامة معرضه الشخصي. ظل يرسم، فيما بقي معرضه الأول مؤجلاً. وحين بلغ التاسعة والعشرين، غادر بغداد نحو دمشق. حمل مدينته معه بما يصفه بـ"الذاكرة الثقيلة"؛ فمغادرة المكان لا تعني بالضرورة القدرة على مغادرة ما حدث فيه. كان يشعر بمسؤولية تجاه ما عاشه وشهده، لكنه أدرك أيضاً أن الفنان لا يستطيع أن يبقى أسير ذاكرته وحدها. كان عليه أن يبحث عن لغة جديدة، وأن يتفاعل مع الأمكنة التي ستستقبله. في دمشق، بدأت طبقة أخرى من الحكاية. أقام معرضه الشخصيّ الأول عام 2000. كانت المدينة محطة جديدة، لكنها لم تكن الأخيرة؛ فكلّ رحلة تقود إلى وجهة أخرى، وكلّ مدينة تترك شيئاً في الإنسان. ثم جاءت بيروت. كانت حلم المثقفين والفنانين العرب، ومساحة تلتقي فيها ثقافات وتجارب مختلفة. وقد منحت نعمة مساحةً أوسع من الحرية والعمل والتعبير. الفنان العراقي رياض نعمة في “بودكاست مع نايلة“. مع انتقاله من مدينة إلى أخرى، لم يتوقف هو نفسه عن التحول. لا يحبّ أن يرى الفنان محاصراً داخل مرحلة واحدة أو أسلوب واحد. الفنّ عنده حركة مستمرة، والفنان يتطوّر مع ما يراه ويعيشه، ويفهم العالم بالرسم ويتفاعل معه. لهذا يحاول أن يعيش في الحاضر، حتى عندما يصرّ الماضي على العودة. إنه رجل يحمل ذاكرة ثقيلة، لكنه لا يريد أن يعيش في داخلها إلى الأبد. يستعيد بغداد من دون أن يتوقف عندها، ويحمل دمشق معه من دون أن يجعلها نهاية الطريق، ويعيش بيروت بوصفها مساحة جديدة للحياة والعمل. "أريد أن أكون إنساناً قبل أن أكون فناناً" حتى الأحلام، في نظره، ليست محطات نصل إليها ثمّ نتوقف. لا يؤمن بحلمٍ يتحقّق بصورة كاملة ونهائية. الإنسان - بالنسبة إليه - يعيش دائماً بين ذاته وبين حلم يلاحقه، وربما تكون قيمة الحياة في هذه المسافة نفسها؛ في المحاولة، وفي السعي، وفي القدرة على الاستمرار والتغيّر. ولهذا، بعد كل ما حمله من بغداد، وبعد الكتب التي دُفنت خوفاً، والمعرض الذي تأخر، والمدن التي تبدلت، والذاكرة التي بقيت، يصل رياض نعمة إلى عبارة تبدو كأنها تختصر الحكاية كلها: "أريد أن أكون إنساناً قبل أن أكون فناناً". حياة رياض نعمة رحلة طويلة من البحث عن مساحة آمنة للإنسان في داخله. لم تكن سهلة، ومعها أصبح الفنّ ملجأه عندما تضيق الأمكنة، وذاكرة تحفظ ما قد يبتلعه النسيان، وطريقة للاستمرار في عالم لا يمنح الإنسان دائماً فرصة اختيار ما يحدث له. أما رياض نعمة، فما زال يرسم، ويتغير، ويحاول، لأن بعض الأحلام لا تُخلق لكي نصل إليها بالكامل، بل لكي نبقى في الطريق.