تتجدد في إسرائيل معركة المسؤولية عن أحداث 7 تشرين الأول، لكن هذه المرة من زاوية تتجاوز السؤال عن الساعات التي سبقت هجوم «حماس»، لتطال السياسة التي انتهجها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على مدى 15 عامًا، وسط اتهامات له بأنه رأى تعاظم قوة الحركة في غزة، لكنه اختار سياسة الاحتواء وتأجيل المواجهة حتى انفجرت الكارثة. وفي مقال تحليلي للصحافي ألموغ بوكر في مجلة "N12" الإسرائيلية، طرح الكاتب سؤالًا مباشرًا بشأن الرواية التي عاد نتنياهو إلى تقديمها أخيرًا حول ليلة 7 تشرين الأول، حين أكد أنه لو جرى إيقاظه قبل هجوم «حماس»، لكان ما حدث مختلفًا تمامًا. وكان نتنياهو قد قال هذا الأسبوع في مقابلة مع "القناة 14" إن مجزرة 7 تشرين الأول «لم تكن لتحدث، على الأقل ليس بالأبعاد الوحشية التي استيقظنا عليها في ذلك الصباح»، مضيفًا: «كان الأمر سيبدو مختلفًا تمامًا». ورد بوكر على ذلك بالقول: ربما نعم وربما لا، «لن نعرف أبدًا». لكنه اعتبر أن هذه ليست أصلًا المسألة التي ينبغي أن يُسأل عنها نتنياهو، بل السؤال الذي يريد رئيس الوزراء أن يُطرح لأنه يسمح له، بحسب الكاتب، بالهرب من السؤال الأهم: أين كان رئيس الحكومة طوال السنوات التي سبقت تلك الليلة؟ وأضاف أن نتنياهو «لو لم يختر أن يغمض عينيه طوال 15 عامًا، فربما لم يكن أحد بحاجة إلى إيقاظه في منتصف الليل». وأشار بوكر إلى أن نتنياهو كان رئيسًا للحكومة طوال 15 عامًا قبل 7 تشرين الأول، ورأى خلال تلك السنوات «حماس» تتحول إلى قوة هائلة، لكنه اختار سياسة الاحتواء، من خلال ردود محسوبة ومحاولات لشراء الهدوء، وجولة تلو أخرى من القتال يعقبها وقف لإطلاق النار، بهدف إبقاء الفترات الفاصلة بين جولة تصعيد وأخرى أطول ما يمكن. وبرأي الكاتب، فإن «العينين اللتين بقيتا مفتوحتين على مصراعيهما أمام التهديد الإيراني، أُغلقتا مرارًا عندما اتجه النظر نحو غلاف غزة». واعتبر أن يحيى السنوار فعل، في المقابل، كل ما يستطيع لإيقاظ نتنياهو. فقد أقام مواقع قرب السياج في مواجهة منازل سكان الغلاف، وأطلق الصواريخ مرارًا، وبنى الأنفاق، وصنّع الأسلحة وهرّبها، وأرسل عشرات آلاف المتظاهرين، وبينهم مسلحون، إلى السياج الحدودي أيام الجمعة، وأحرق حقول منطقة الغلاف، وفتح جولات تصعيد متكررة. وذهب بوكر إلى التذكير بأن السنوار أمر حتى بإطلاق صاروخ «غراد» باتجاه أسدود أثناء وجود نتنياهو هناك، معتبرًا أن ذلك شكل محاولة للمساس برئيس الحكومة. لكن الرد، بحسب الكاتب، بقي في إطار «رد متناسب من وقت إلى آخر، وهذا كل شيء». وقال بوكر إن نتنياهو رأى كل ذلك، لكنه «اختار أن يغمض عينيه»، مضيفًا أن صرخات رؤساء السلطات المحلية في غلاف غزة، وبينهم شخصيات مقربة منه، لم تنجح أيضًا في إيقاظه. وشدد على أن سؤال المسؤولية عن السنوات التي سبقت أحداث 7 تشرين الأول لا يتعلق بالانتقام ولا بتصفية حسابات سياسية، بل هو ضروري لسبب واحد: «كي نضمن ألا نستيقظ مرة أخرى على مسلحين يقتحمون منازلنا». وانتقل بوكر بعد ذلك إلى تجربته الشخصية في أحداث 7 تشرين الأول، قائلًا إن من لم يشم رائحة الموت في ذلك اليوم لن يستطيع أن يفهم حقيقة ما جرى. وأوضح أن الجميع شاهد الصور القاسية وسمع الأصوات المروعة لذلك الصباح، لكن شيئًا واحدًا لم يكن بالإمكان نقله عبر شاشة التلفزيون: الرائحة. ووصفها بأنها «رائحة ثقيلة للموت» غطت منطقة الغلاف، وكانت في الطرقات وبين المنازل وداخل البلدات، تلتصق بالملابس وتدخل السيارات وتستقر في الأنف من دون أن تفارق الإنسان. وأضاف أنه كان من الممكن إغماض العينين لعدم رؤية المشاهد، أو تغطية الأذنين لعدم سماع الأصوات، لكن لم يكن هناك مكان يمكن الهرب فيه من الرائحة. وقال إنه حتى عندما كان يغادر المنطقة لساعات، كان يشعر بأنها تسافر معه، كما لو أنها التصقت بجسده. وبعد مرور نحو 3 سنوات، يقول بوكر إن الرائحة نفسها اختفت منذ زمن من المكان، لكنها بقيت داخله. وأضاف أنها تعود أحيانًا في منتصف الليل من دون مقدمات، حادة وواقعية، وكأنها لم تختف يومًا: «رائحة الموت. رائحة 7 تشرين الأول». وبرأيه، فإن من عاش تلك التجربة يفهم لماذا يؤدي سقوط أي طائرة ورقية اليوم في غلاف غزة، سواء كانت تحمل مواد متفجرة أم لا، إلى إخراج السكان الذين اختاروا العودة إلى منازلهم من توازنهم. كما يفسر ذلك، بحسبه، لماذا تجعل كل شهادة تحذيرية تصدر عن مجندة مراقبة وتتحدث عن عودة إلى «سياسة 6 تشرين الأول»، السكان ينظرون مجددًا نحو الحقائب المخزنة لديهم ويفكرون بإمكان اضطرارهم إلى الإخلاء مرة أخرى. وأشار بوكر إلى أن سكان المنطقة يعرفون جيدًا العبارات المطمئنة من نوع: «إنهم مجرد أطفال في سن 13 عامًا يطلقون طائرات ورقية». ويرى أن هذه الكلمات تلخص تقريبًا كل ما يخشاه السكان، لأنها تعكس العودة إلى الذهنية التي سادت