تتجه تركيا إلى تعزيز حضورها في لبنان بصورة متسارعة، في تحول يعكس اتساع الرؤية التركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، بالتزامن مع تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، وتزايد التوتر مع إسرائيل في سوريا وشرق المتوسط. وبرز هذا التوجه بوضوح في تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي قال خلال اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان، في 10 يونيو 2026، إن «أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي، إنه يبدأ من حلب ودمشق وبيروت»، في إشارة إلى اتساع مفهوم الأمن القومي التركي ليشمل مناطق خارج الحدود المباشرة للبلاد. لبنان يدخل الحسابات التركية وتأتي التحركات التركية في لبنان في إطار رؤية أوسع تتبناها أنقرة، تقوم على ربط أمنها واستقرارها بالمجال الجغرافي المحيط بها، وعدم انتظار انتقال الأزمات إلى الأراضي التركية قبل التعامل معها. وكان أردوغان قد أكد، قبل يوم واحد من تصريحاته بشأن لبنان، أن العمليات التركية في العراق وسوريا أسست لمرحلة جديدة في السياسة الأمنية لبلاده، تقوم على مواجهة التهديدات من مصادرها، وإنشاء ما وصفه بخط أمني على امتداد الحدود الجنوبية.سياسة كما تشمل الرؤية التركية ملفات تتجاوز البعد العسكري، من بينها الطاقة والممرات اللوجستية والأمن السيبراني والتجارة والربط الإقليمي، بما يعكس رغبة أنقرة في توسيع أدوات نفوذها في المنطقة. تراجع إيران وصعود الدور التركي واكتسب لبنان أهمية أكبر في الحسابات التركية بعد التغيرات التي شهدتها المنطقة، خاصة مع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، وهو ما فتح المجال أمام قوى إقليمية أخرى لتعزيز حضورها. وتنظر أنقرة إلى هذا التحول باعتباره فرصة لتوسيع نفوذها، لكنها في الوقت نفسه ترى أن تمدد إسرائيل في جنوب سوريا وجنوب لبنان يمثل تحديًا جديدًا لمصالحها وأمنها الإقليمي. وتتحرك تركيا في هذا السياق عبر مسارات متعددة، تشمل دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعزيز التعاون مع الجيش اللبناني، والانخراط في الملفات الأمنية المرتبطة بالجنوب، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري ومشروعات النقل والطاقة. تحركات تركية متسارعة مع بيروت وشهدت العلاقات التركية اللبنانية خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الاتصالات والزيارات رفيعة المستوى، شملت الرئاسة والحكومة والجيش وأجهزة الأمن. ففي 17 يونيو 2026، زار نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري أنقرة، حيث التقى نائب الرئيس التركي جودت يلماز ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. كما استقبل أردوغان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في إسطنبول في 10 يوليو، قبل أن يزور الرئيس اللبناني جوزيف عون أنقرة في 30 يوليو، في أول زيارة رسمية له إلى تركيا منذ انتخابه. وتناولت اللقاءات ملفات العلاقات الثنائية، ودعم الجيش اللبناني، والتطورات الأمنية في الجنوب، والاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب العلاقات اللبنانية السورية ومشروعات النقل والطاقة والاستثمار. دور محتمل في جنوب لبنان ويبرز التعاون العسكري والأمني كأحد أهم مسارات التحرك التركي في لبنان، إذ تستند العلاقات بين البلدين إلى اتفاق إطار للتعاون العسكري يعود إلى عام 2010. وفي هذا السياق، ناقشت أنقرة إمكانية تقديم مزيد من الدعم للجيش اللبناني، كما أبدت استعدادها للمشاركة في مبادرات تتعلق بحماية سيادة لبنان وترتيبات المرحلة المقبلة في الجنوب، بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل». وتشير هذه التحركات إلى سعي تركيا للحصول على موطئ قدم داخل الترتيبات الأمنية المستقبلية في جنوب لبنان، وإن كان الوجود التركي المباشر على الأرض قد يواجه حساسية كبيرة، خاصة في ظل موقف إسرائيل الرافض لتوسيع الحضور التركي في المناطق القريبة من حدودها. الاقتصاد والطاقة والنقل ولا تقتصر التحركات التركية على الجانب الأمني، إذ تسعى أنقرة إلى توسيع حضورها في مجالات التجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار. وتبحث تركيا إمكانية إعادة إحياء خطوط السكك الحديدية التي تربط لبنان بسوريا، وربطها مستقبلًا بشبكات النقل الإقليمية، إلى جانب دراسة مشروعات للربط الكهربائي والتعاون في مجالات الطاقة. كما تمتلك تركيا رصيدًا سابقًا من المشروعات التنموية في لبنان، نفذتها وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا»، وشملت قطاعات صحية وتنموية وثقافية وبنية تحتية. شرق المتوسط يزيد أهمية لبنان ويمثل موقع لبنان على البحر المتوسط، وارتباطه بسوريا، وقربه من إسرائيل، عوامل إضافية تزيد من أهميته بالنسبة إلى أنقرة. وتراقب تركيا عن كثب العلاقات المتنامية بين لبنان وقبرص، خاصة بعد توقيع اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين في نوفمبر 2025، والذي أثار اعتراضًا تركيًا على خلفية ما اعتبرته أنقرة مساسًا بمصالح القبارصة الأتراك. كما ترتبط الحسابات التر