للمرة الأولى، يلتقي عالم إيلي صعب، بما يحمله من إرث في الهوت كوتور والترف والحرفة، مع عالم H&M القائم على الموضة السريعة والإنتاج الواسع والأسعار الأكثر وصولاً. تعاون يضع لغتين مختلفتين للموضة في مجموعة واحدة، ويفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الملابس: ماذا يحدث عندما تلتقي الفخامة بالانتشار؟ إيلي صعب هو عالم الحرير والأورغانزا والدانتيل والتطريز، حيث تحتاج القطعة إلى وقت وحرفة وتفاصيل دقيقة لتصل إلى صورتها النهائية. أما H&M فتعمل وفق منطق مختلف، يقوم على الإنتاج الكبير، وسرعة الوصول إلى الأسواق، وتحويل اتجاهات الموضة إلى قطع يمكن لجمهور واسع اقتناؤها. ومن هنا تأتي أهمية التعاون الذي ستُطرح مجموعته في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والذي يشمل الأزياء النسائية والرجالية والأحذية والأكسسوارات. المسألة لا تتعلق فقط بتقديم تصاميم تحمل اسم إيلي صعب بأسعار أقل، بل بمحاولة إعادة صياغة مفردات المصمم ضمن لغة الـHigh Street. الدانتيل، الترتر، التطريز، القصّات الأنثوية واللمسة الدرامية التي ارتبطت بهويته، تنتقل من عالم الأتيليه إلى إنتاج قادر على الوصول إلى جمهور عالمي واسع. لكن هذه المعادلة لا تلغي الفارق بين العالمين. قطعة H&M من توقيع إيلي صعب لن تكون بديلاً من فستان من مجموعات الهوت كوتور. فالحرير ليس كالبوليستر، والأورغانزا ليست كالقطن، والتطريز اليدوي لا يملك شروط الإنتاج الصناعي نفسها. كما أن الفخامة لا تُقاس بالخامة وحدها، بل بالوقت والحرفة والندرة والتفاصيل التي تجعل القطعة استثنائية. لذلك، لا يبدو التعاون محاولة لإلغاء الفارق بين الهوت كوتور والـHigh Street، بقدر ما هو جسر بينهما. بالنسبة إلى H&M، يضيف التعاون اسم مصمم عالمي إلى علامتها ويمنح جمهورها فرصة الاقتراب من جمالية لطالما ارتبطت بالسجادات الحمراء والمناسبات الكبرى. أما بالنسبة إلى إيلي صعب، فيفتح التعاون نافذة على جمهور مختلف؛ نساء ورجال يعرفون اسمه من عالم المشاهير والموضة، لكنهم لم يكونوا بالضرورة جزءاً من سوقه التقليدية. وهنا تكمن المفارقة: الفخامة تقوم جزئياً على الندرة، فيما تقوم الموضة الجماهيرية على الانتشار. لكن انتشار اسم إيلي صعب خارج عالم الهوت كوتور لا يعني بالضرورة فقدانه لقيمته. فالتعاونات بين المصممين العالميين والعلامات الجماهيرية أثبتت أن بإمكان الاسم الفاخر أن يصل إلى شرائح جديدة من دون أن تختفي هويته الأصلية، شرط أن تبقى الحدود بين المنتجين واضحة. الهوت كوتور يقدّم الاستثناء، والـHigh Street يقدّم إمكانية الوصول إليه. من بيروت إلى العالم يحمل التعاون بعداً آخر بالنسبة إلى لبنان فإيلي صعب ليس مجرد مصمم لبناني حقق حضوراً عالمياً، بل أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بصورة لبنان في عالم الموضة والرفاهية. ومن بيروت، انتقل اسمه إلى العواصم العالمية، قبل أن يصبح حاضراً على السجادات الحمراء وفي خزائن أهم النجمات. في المقابل، تراجعت مكانة لبنان كوجهة للعلامات العالمية والرفاهية خلال السنوات الأخيرة، بفعل الأزمات الاقتصادية والأمنية وتراجع القدرة الشرائية والسياحة والاستثمارات. ومن الصعب أن يعيد تعاون واحد العلامات العالمية إلى السوق اللبنانية. فعودة هذه العلامات تحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة، وسوق قادرة على الاستهلاك، وحركة سياحية، وثقة استثمارية. لكن ما يستطيع اسم لبناني عالمي مثل إيلي صعب أن يفعله هو إبقاء لبنان حاضراً في الصورة. ففي الوقت الذي تواجه فيه بيروت صعوبة في استعادة موقعها السابق على خريطة الموضة والرفاهية، تستمر أسماء لبنانية في الوصول إلى المنصات العالمية، حاملة معها جزءاً من هوية المدينة والبلد. لهذا، يتجاوز تعاون إيلي صعب وH&M حدود مجموعة أزياء جديدة. إنه لقاء بين الأتيليه والمصنع، الحرير والبوليستر، الندرة والانتشار، والهوت كوتور والشارع. وفي قلب هذا اللقاء، يقف اسم لبناني نجح في تحويل الموضة إلى لغة عالمية. ويبقى السؤال: إذا كان إيلي صعب قادراً على أخذ اسم لبنان إلى واجهات العالم، فمتى يستعيد لبنان قدرته على إعادة العالم إلى واجهات بيروت؟