كم من الوقت يحتاج فيلم ليولد؟ في بيروت، كان على الفكرة أن تصبح نصاً، وعلى النص أن يتحوّل إلى صورة، وأن تصل الصورة إلى الشاشة خلال 48 ساعة فقط. هو التحدّي الذي خاضته الفرق المشاركة في الدورة الثانية عشرة من "48 Hour Film Project"، إحدى أبرز المسابقات العالمية لصناعة الأفلام ضمن مهلة زمنية محدّدة. ففي عطلة أسبوع واحدة، كان على كل فريق كتابة فيلم قصير وتصويره ومونتاجه وتسليمه، قبل عرض الأعمال المنجزة أمام الجمهور ولجنة التحكيم. مساء الأربعاء، اجتمع صنّاع الأفلام والممثلون والجمهور في (Grand Cinemas) في (ABC Verdun)، لمشاهدة حصيلة يومين من العمل المتواصل، في أمسية انتهت بإعلان الفائزين وتكريم مجموعة من المواهب السينمائية الشابة. وتولّت الممثّلة زينة زيادة تقديم الحفل. انطلقت الفرق من عناصر إلزامية مشتركة كان عليها إدخالها في أفلامها: شخصية سليم أو سلمى محفوظ، أمين أو أمينة أرشيف، وردة أو باقة ورود، والجملة: "شي نهار رح نفهم ليه". أمّا النوع السينمائي، فاختاره كل فريق بالقرعة. ومن العناصر نفسها، خرجت حكايات مختلفة في أفكارها ومعالجاتها وأساليب تصويرها. وهنا تحديداً ظهر جوهر التحدّي: ألّا تبدو العناصر المفروضة دخيلة على الفيلم، بل أن تتحوّل إلى جزء طبيعي من عالمه. ولم تقتصر المشاركة على الوجوه الجديدة، إذ سجّلت الممثلة القديرة رندة كعدي حضوراً محبّباً في أحد الأفلام القصيرة، من خلال دور اتّسم بخفّة الظل. وجمعت مشاركتها، ضمن التجربة نفسها، بين خبرة ممثلة راسخة وحماسة فرق شابة كانت تخوض سباقها مع الوقت. في حديثها إلى "النهار"، أوضحت منظِّمة المسابقة نور عقيقي أن التحضير للمسابقة امتدّ على ثلاثة أسابيع فقط، انضمّ خلالها 14 فريقاً، وهو ما عدّته إنجازاً يعكس اهتمام الشباب اللبناني بخوض تجارب سينمائية من هذا النوع. منظِّمة المسابقة نور عقيقي (النهار) لكن الوقت كان أيضاً التحدّي الأكبر أمام المشاركين. فخلال يومين، كان عليهم اتخاذ قرارات تحتاج عادةً إلى أسابيع: تثبيت الفكرة، كتابة السيناريو، اختيار الممثلين والمواقع، التصوير، معالجة المفاجآت التقنية، ثم إنجاز المونتاج وتسليم النسخة النهائية في موعدها. من جهته، رأى المخرج وعضو لجنة التحكيم إيلي فهد أن هذا الضغط لا يبتعد كثيراً عن واقع العمل السينمائي، حيث غالباً ما يجد المخرج وفريقه أنفسهم أمام مهل ضيّقة وسباق دائم لإنجاز العمل. ومن هنا، تحوّل ضغط المسابقة إلى تدريب عملي على طبيعة المهنة نفسها، بكل ما تتطلّبه من سرعة في القرار وقدرة على إيجاد الحلول. ضمّت لجنة التحكيم كلاً من الممثّل طلال الجردي، وسولاي غربيّة، وإيلي فهد. وعن العنصر الذي رجّح كفّة الفيلم الفائز، أوضح الجردي أن الاختيار لم يستند إلى التمثيل أو الفكرة أو الإخراج بصورة منفردة، بل إلى تكامل هذه العناصر داخل عمل سينمائي واحد. فالفيلم الأفضل، وفق هذا المعيار، هو الذي تنسجم فيه الفكرة مع الأداء والصورة والإخراج، ليصل إلى الجمهور كعمل متماسك. وفي ختام الأمسية، فاز "Till Death Do Me Apart" بجائزة أفضل فيلم، إلى جانب جوائز أخرى شملت المركزين الثاني والثالث، وأفضل إخراج وتصوير سينمائي وفئات فنية إضافية. الممثّل طلال الجردي وسولاي غربيّة (النهار) لا تختصر المسابقة بفوز فيلم أو توزيع مجموعة من الجوائز، بل تكشف وجهاً ثقافياً آخر للبنان؛ بلداً لا تزال فيه المواهب الشابة قادرة على صناعة الأفلام، حتى ضمن إمكانات ومهل محدودة، وعلى حمل أعمالها إلى مساحات أوسع. الفيلم الفائز سيمثّل بيروت في "Filmapalooza 2027"، حيث يلتقي أفلاماً فائزة من مدن مختلفة حول العالم وينافسها. ومن هناك، يمكن أن يُختار ضمن أبرز أعمال "48 Hour Film Project" التي تُعرض في "Short Film Corner" في مهرجان كان، لتتحوّل تجربة بدأت بعدّ تنازلي في بيروت إلى فرصة للوصول نحو العالمية. في بلد أتعبته الأحداث، لا يزال هناك شباب يكتبون ويصوّرون ويصنعون أفلاماً. وخلال 48 ساعة فقط، أثبتوا أن الموهبة اللبنانية ما زالت حاضرة، وقادرة على الوصول إلى العالميّة.