عاد الأسير اللبناني مالك غازي إلى بلاده، اليوم الخميس، بعد أن سلمته إسرائيل عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر عند معبر الناقورة، في خطوة تتزامن مع استمرار المفاوضات بين بيروت وتل أبيب برعاية أميركية، بينما بقي الجنوب اللبناني مسرحا لتحركات عسكرية إسرائيلية واعتقالات جديدة. وتسلم الجيش اللبناني غازي بعد نقله عبر المعبر الحدودي، قبل أن يحال إلى مكتب مخابرات الجيش في مدينة صور لإجراء الفحوص الطبية، وفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام. ويعد غازي أول لبناني يعلن عن الإفراج عنه في سياق الجولة الأخيرة من المحادثات التي استضافتها روما. ويأتي الإفراج في وقت تحدثت فيه إسرائيل عن إطلاق سراح خمسة لبنانيين محتجزين لديها، بعدما خلصت، بحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى عدم وجود صلات لهم بجماعات مسلحة. وربطت إسرائيل هذه الخطوة بالمفاوضات المتعلقة باستعادة رفات قادة من الجالية اليهودية قتلوا في لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. وفي المقابل، أفاد مصدر عسكري لبناني بأن بيروت تسلمت الخميس أسيرا واحدا فقط، ما أبقى مصير الأربعة الآخرين مرتبطا بالترتيبات الجارية بين الطرفين. ويحمل ملف المعتقلين وزنا خاصا داخل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، إذ تطالب بيروت بالإفراج عن مواطنيها الذين احتجزوا خلال المواجهات الأخيرة. وكانت السلطات اللبنانية قد طرحت هذا الملف خلال جولة التفاوض التي جرت في أغسطس الماضي، في محاولة لانتزاع خطوات عملية بالتوازي مع البحث في الملفات الأمنية والسياسية العالقة. وقال رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إن عودة أي لبناني إلى بلاده تمثل خطوة في معالجة هذا الملف، موجها الشكر إلى الإدارة الأميركية والسفير الأميركي لدى لبنان على الجهود المبذولة. وأكد في الوقت نفسه أن بيروت ستواصل الضغط من أجل الإفراج عن بقية الأسرى ومعرفة مصير المفقودين، إلى جانب الدفع باتجاه انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. لكن التطور السياسي لم ينعكس هدوءا على الأرض. ففي الوقت الذي كان فيه غازي في طريق العودة إلى لبنان، شهد جنوب البلاد تحركات إسرائيلية شملت توغلا في مناطق حدودية وعمليات اعتقال وقصفا مدفعيا وتحركات للآليات العسكرية. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن قوة إسرائيلية دخلت إلى مزرعة حلتا في قضاء حاصبيا، وحاصرت عددا من المنازل ومنعت سكانا من مغادرتها، قبل أن تعتقل ثلاثة لبنانيين هم قاسم عبدالعال وحاتم عبدالعال وزعل غسان عبدالعال، ثم تنسحب باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وفي منطقة المنصوري بقضاء صور، تحدثت الوكالة عن قصف مدفعي إسرائيلي وتحرك آليات عسكرية، من بينها دبابة ميركافا وجرافة “دي 9″، إضافة إلى إلقاء مسيرتين قنبلتين صوتيتين على طريق العزية ـ المنصوري. كما سجلت تفجيرات في حداثا ووادي برعشيت وتحليق طائرات مسيرة فوق منطقة صور. وتضع هذه التطورات الإفراج عن غازي في سياق أكثر تعقيدا من مجرد عملية تبادل أسرى، إذ تتزامن الخطوة مع محاولة أميركية لدفع المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل إلى الأمام، في وقت لا تزال فيه الملفات الأمنية الميدانية تضغط على المفاوضات. وكان الطرفان قد وقعا في 26 يونيو الماضي اتفاق إطار برعاية أميركية، ينظم مسارا تدريجيا لخفض التوتر وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة وطرح ملف سلاح حزب الله ضمن الترتيبات الأمنية. وأكدت مصادر مرتبطة بالمفاوضات أن تنفيذ الاتفاق يفترض أن يبدأ من منطقتين تجريبيتين قبل الانتقال إلى مراحل أخرى. وأظهرت جولة روما اللاحقة وجود تقدم في البحث عن آليات تنفيذ الاتفاق، غير أن استمرار العمليات العسكرية والاحتكاكات على الحدود يعكس حجم العقبات التي ما زالت تفصل التفاهمات السياسية عن تطبيقها على الأرض. وكانت الأمم المتحدة قد دعت الأطراف إلى الالتزام بوقف إطلاق النار واحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، مع التأكيد على ضرورة معالجة الملفات العالقة عبر المسار الدبلوماسي. وبذلك، يفتح الإفراج عن غازي نافذة صغيرة في جدار مفاوضات ثقيلة الملفات، لكنه لا يحسم اتجاهها. فبينما تراهن بيروت على تحويل قضية الأسرى إلى مدخل لمزيد من الخطوات، تستمر إسرائيل في ربط ترتيباتها الأمنية بالوضع في الجنوب وبملف سلاح حزب الله، فيما تبقى التطورات الميدانية العامل الأكثر قدرة على اختبار ما تحقق على طاولة التفاوض.