ماذا سيحدث في جنوب لبنان بعد رحيل قوات الأمم المتحدة الموقتة "اليونيفيل"؟ سؤال يزداد إلحاحاً، فيما لا يزال الغموض يحيط بالصيغة التي ستملأ الفراغ الذي ستتركه القوة الدولية. يقولُ مسؤول أممي رفيع المستوى في لبنان لـ"لبنان24" إنه "لا وضوح نهائياً حتى الآن بشأن البديل الذي سيحل مكان اليونيفيل"، مشيراً إلى أن المسألة ستكون موضع نقاش في نيويورك، وأن شكل القوة التي يمكن أن تتولى المهمة لاحقاً لم يُحسم بعد. ويلفت المسؤول إلى نقطة أساسية، وهي أن أي قوات دولية جديدة ستأتي إلى لبنان تحتاج إلى العمل تحت علم الأمم المتحدة، لما يوفره ذلك من شرعية وضمانة لوجودها وعملها، خصوصاً أن لبنان وسكان الجنوب يريدون وجود "اليونيفيل"، وقد لا يتقبلون قوة دولية أخرى لا تحمل العلم الأممي. من يدخل بعد "اليونيفيل"؟ خروج "اليونيفيل" لا يمكن اعتباره حدثاً عادياً، فالمسألة تتجاوز استبدال جنود بآخرين إلى تغيير محتمل في طبيعة الحضور الدولي في جنوب لبنان. ومن السيناريوهات المطروحة تشكيل قوة دولية جديدة أو متعددة الجنسيات، لكن هذا الخيار يفتح أسئلة حساسة، خصوصاً إذا لم تكن القوة الجديدة خاضعة للصيغة الأممية الحالية. وفعلياً، فإن أي قوة من هذا النوع تحتاج إلى تحديد مرجعيتها وصلاحياتها والدول المشاركة فيها، فضلاً عن الغطاء القانوني والسياسي لعملها. كذلك، فإن دخولها إلى لبنان يحتاج إلى موافقة لبنانية، ما يجعل الملف مرشحاً للانتقال من النقاش الدولي في نيويورك إلى قلب السجال الداخلي. "حزب الله" أمام اختبار صعب بالنسبة إلى حزب الله، قد تكون المعادلة أكثر تعقيداً. إذا كان ملف تسليم منشآت الحزب ومواقعه الأساسية إلى الجيش اللبناني يشكل أساساً نقطة شديدة الحساسية بالنسبة اليه، فكيف سيتعامل مع قوة دولية جديدة إذا أُنيطت بها مهمات تتعلق بالتحقق والتدقيق الميداني والتأكد من خلو مناطق في الجنوب من السلاح والمنشآت العسكرية؟ هنا، ستبرز أسئلة جوهرية بشأن صلاحيات القوة الجديدة وحدود تحركها والمرجعية التي ستتخذ قراراتها، وما إذا كانت ستعمل تحت علم الأمم المتحدة أم ضمن صيغة متعددة الجنسيات مختلفة عن "اليونيفيل". ماذا عن "بديل الـ77 عاماً"؟ في المقابل، يعود إلى الواجهة مراقبو الأمم المتحدة الموجودون في المنطقة منذ عام 1949، والذين أنيطت لهم مهمة مراقبة الهدنة ووقف إطلاق النار ورصد الخروقات. وجود هؤلاء منذ 77 عاماً قد يجعلهم أحد الخيارات المطروحة للعب دور أكبر بعد مغادرة "اليونيفيل"، كما أن تعزيز حضورهم يمكن أن يعيد اتفاقية الهدنة إلى صلب النقاش. لكن المسؤول الأممي يؤكد أن هؤلاء المراقبين لا يستطيعون الحلول بمفردهم مكان "اليونيفيل"، إذ يحتاجون بدورهم إلى قوة دولية تدعمهم وتوفر الظروف اللازمة لأداء مهماتهم. وعليه، يمكن أن يكون المراقبون جزءاً أساسياً من صيغة "اليوم التالي"، لكنهم لا يشكلون بمفردهم بديلاً كاملاً عن القوة الدولية. كذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بهوية الدول التي سترسل جنودها إلى الجنوب، بل بالعلم الذي سترفعه القوة الجديدة والشرعية التي ستستند إليها. وعليه، فإنه مع اقتراب رحيل "اليونيفيل"، يجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة: البديل لم يُحسم، والمراقبون الموجودون منذ 1949 لا يستطيعون العمل وحدهم، فيما قد تثير أي قوة جديدة خارج المظلة الأممية اعتراضات وأسئلة سياسية وأمنية وقانونية. لهذا، فإن السؤال الذي سيلاحق لبنان خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من سيحل مكان "اليونيفيل"؟ بل السؤال الأكثر حساسية: من سيدخل إلى جنوب لبنان بعدها... وتحت أي علم؟!