في مشهد سياسي نادر داخل الولايات المتحدة، وجدت شخصيات تقف على طرفي النقيض أيديولوجيًا نفسها في خندق واحد ضد سياسة إدارة دونالد ترامب في ملف الذكاء الاصطناعي، بعدما أعلن ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابقين لترامب وأحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي المحافظ، دعمه لمبادرة يقودها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز لتجميد إنشاء مراكز بيانات جديدة. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، نقلًا عن صحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن الجبهة الجديدة التي تتشكل في واشنطن تجمع بانون مع قيادات الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، وفي مقدمهم ساندرز وأوكاسيو كورتيز، حول قضية واحدة باتت تتجاوز الاصطفافات التقليدية: مواجهة التوسع السريع في الذكاء الاصطناعي ومزارع الخوادم العملاقة التي تُبنى في أنحاء الولايات المتحدة. ووفق التقرير، يقدم بانون دعمًا كاملًا لمبادرة تشريعية يقودها ساندرز وأوكاسيو كورتيز، وتهدف إلى فرض تجميد على إنشاء مراكز بيانات جديدة. وقال بانون في مقابلة إنه وضع جانبًا خلافات عميقة في قضايا مثل الهجرة، انطلاقًا من اعتقاده بأن الذكاء الاصطناعي هو القضية التي ستحدد مستقبل البشرية. وأشار إلى أنه يخصص حاليًا نحو 75% من وقته لمواجهة توسع هذه التكنولوجيا، والعمل على حشد دعم شعبي ضد سياسة إدارة ترامب، التي تشجع على تقديم تسهيلات لقطاع التكنولوجيا وتحظر على الولايات فرض تنظيمات مستقلة خاصة بها. ويضع موقف بانون الجديد أحد أبرز حلفاء ترامب السابقين في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي، الذي كان قد قال أخيرًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن المجتمعات التي تعارض إنشاء مراكز البيانات "تريد ببساطة أن تبقى متخلفة وفقيرة". إلا أن المشهد على الأرض، وفق التقرير، يعكس تصاعدًا في القلق الشعبي من التأثيرات المرتبطة بمزارع الخوادم، خصوصًا بسبب استهلاكها كميات ضخمة من الكهرباء والمياه، إلى جانب المخاوف من خسارة الوظائف وتصاعد عدم الثقة بشركات التكنولوجيا العملاقة. وبات هذا الملف يشكل نموذجًا لما يُعرف سياسيًا بـ"نظرية حدوة الحصان"، حيث تلتقي أطراف من اليمين واليسار المتشددين حول قضية مشتركة رغم التباعد الكبير في مواقفهما السياسية الأخرى. ولم تعد المعارضة محصورة في النقاش العام، إذ بدأت تتحول إلى حملات انتخابية وسياسية مباشرة. وأظهر فحص أجرته "وول ستريت جورنال" أن قضية مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي حضرت في أكثر من 70 سباقًا انتخابيًا للكونغرس ومناصب حكام الولايات، إضافة إلى ما لا يقل عن 50 سباقًا انتخابيًا محليًا آخر. ووصل تأثير الاعتراضات إلى حكام بارزين، بينهم حاكم تكساس الجمهوري غريغ أبوت وحاكم بنسلفانيا الديمقراطي جوش شابيرو، اللذان تراجعا، وفق التقرير، عن الدعم الحماسي الذي كانا قد أبدياه سابقًا لمشاريع من هذا النوع. في المقابل، أثار التحالف غير المتوقع غضبًا داخل قطاع التكنولوجيا وبين مؤيدي ترامب. وسخر جو لونسديل، المؤسس المشارك لشركة "بالانتير"، من هذا التقارب وأطلق عليه تسمية "BBC"، في إشارة إلى الأحرف الأولى من أسماء بيرني وبانون والحزب الشيوعي الصيني. واتهم لونسديل أطراف هذا التحالف بأنهم "متطرفون يعملون على إضعاف الولايات المتحدة". وفي الوقت نفسه، لا تزال واشنطن عاجزة عن حسم الملف، فيما لم تصل مقترحات القوانين الهادفة إلى تقييد القطاع إلى مرحلة التنفيذ بعد. وبينما يستمر الجدل التشريعي، تتصاعد المواجهة على الأرض حول مواقع إنشاء مراكز البيانات ومصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها، ليصبح الذكاء الاصطناعي ملفًا انتخابيًا قادرًا على جمع خصوم سياسيين لا يجمع بينهم الكثير، ووضعهم معًا في مواجهة واحدة مع سياسة ترامب.