يأتي مشروع موازنة 2027 في مرحلة يُفترض أن تنتقل فيها المالية العامة اللبنانية من إدارة الانهيار إلى التعافي وإعادة بناء الدولة. لكن قراءة أرقام المشروع وتركيبته لا توحي بتحوّل جذري. فخلف تساوي الإيرادات والنفقات وتسجيل عجز صفري على الورق، تبقى الموازنة محكومة بالنفقات الجارية والالتزامات المتراكمة، فيما يظل الإنفاق الاستثماري والإصلاح البنيوي محدودين. وتبرز هنا أهمية قراءة الموازنة من خلال تركيب الإيرادات والنفقات ومصداقية أرقامها، لا من خلال حجمها الإجمالي فقط. الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور أيمن عمر، يورد ملاحظاته على مشروع الموازنة فيؤكد "يبلغ كل من الإيرادات والنفقات 614.945 تريليون ليرة، مقابل 538.415 تريليون ليرة في قانون موازنة 2026، أي بزيادة 76.5 تريليون ليرة أو 14.2%، من 6.02 مليارات دولار في 2026 إلى 6.87 مليارات دولار في 2027، بزيادة نحو 855 مليون دولار. وفي بيان الإيرادات، قال عمر: "وردت إيرادات 2025 تحت عنوان «محصّل». فهل هي محصّلة فعلياً؟ وإن كانت كذلك، فأين قطع الحساب لموازنة 2025 الذي يثبت ذلك؟ فعدم إجراء قطع حساب للموازنات السابقة، فضلاً عن كونه مخالفة دستورية واضحة، يحول دون تقدير الواقع المالي الفعلي بدقة. أما إيرادات 2026، الواردة تحت عنوان "إيرادات قانون موازنة 2026"، فلا توضح هل هي تقديرية أم أن التحصيل الفعلي يتطابق معها، خصوصاً في غياب أي إشارة إلى نسبة التحصيل حتى منتصف 2026. ولا يعني العجز الصفري أن التوازن سيتحقق عند التنفيذ، إذ يتوقف ذلك على دقة تقديرات الإيرادات وقدرة الإدارة المالية على تحصيلها وعدم تجاوز الاعتمادات. والسؤال هو: هل التوازن حقيقي ونتاج ضبط للإنفاق، أم نتيجة تفاؤل في تقدير التحصيل كما حدث مراراً، أم هو "على الطريقة اللبنانية" البعيدة عن أصول علم المالية العامة؟ ارتفعت الإيرادات الضريبية من 439.613 إلى 528.223 تريليون ليرة، أي 20.2%، مقابل نمو للموازنة بنحو 14.2%. وسجّلت "الإيرادات الضريبية الأخرى" أعلى زيادة (+61.1%)، لكنها تنطلق من قاعدة صغيرة جداً تبلغ 16.2 تريليون ليرة في 2026. أما الزيادة الأهم بين البنود الكبرى فهي ضريبة الدخل والأرباح ورؤوس الأموال، التي ارتفعت 38.1% من 57.6 إلى 79.6 تريليون ليرة، فيما تراجعت ضريبة الأملاك 5.4%. تطور الايرادات: مقارنة بين موازنتي 2026 و 2027 (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي) وتكشف البنية الضريبية اعتماداً كبيراً على الضرائب غير المباشرة. فالرسوم الداخلية على السلع والخدمات، ومنها TVA، والرسوم على التجارة والمبادلات الدولية، تبلغ مجتمعة 388.370 تريليون ليرة، أي 73.5% من إجمالي الإيرادات الضريبية البالغ 528.223 تريليون ليرة، مقابل 21.5% للضريبة على الدخل والأملاك مجتمعتين. وتشكل الضريبة على القيمة المضافة وحدها 205.666 تريليون ليرة، أي 38.9% من الإيرادات الضريبية. وهذا يعني برأي عمر أن الجزء الأكبر من التمويل الضريبي يأتي من الاستهلاك والتجارة، ويتحمل المستهلك النهائي جانباً أساسياً منه. في المقابل، تراجعت الإيرادات غير الضريبية 12.2%، ومن أبرز أسباب ذلك انخفاض الرسوم والعائدات الإدارية والمبيعات من 29.16 إلى 17.31 تريليون ليرة، أي −40.6%، وهو ما يفسر الجزء الأكبر من الانخفاض. ويبرز بند رسوم المطارات البالغ 6.068 تريليون ليرة في قانون موازنة 2026، والذي لا يظهر بالاسم نفسه في الجدول المقارن لمشروع 2027، ما يستدعي برأي عمر توضيحاً من وزارة المال بشأن إلغائه أو إعادة تصنيفه أو إدراجه ضمن إيرادات مؤسسة أو مرفق عام. كذلك تراجعت رسوم الأمن العام من 11.18 إلى 7.31 تريليون ليرة (−34.6%)، وهي تشمل أساساً تجديد الإقامات، وقد يعكس تراجعها انخفاض تجديدات إقامة النازحين السوريين والعمالة الأجنبية أو تصحيحاً لتقدير 2026 المتفائل. وتراجعت رسوم إجازات العمل من 3.92 إلى 0.98 تريليون ليرة (−75%). أما رسوم الجامعة اللبنانية فتراجعت من 956.8 مليار بيرة إلى 26.8 ملياراً، أي −97.2%، بما يعني عملياً أن الموازنة لا تتوقع حصيلة تُذكر منها في العام المقبل. كذلك تراجعت رسوم التسجيل في المدارس الرسمية من 3.1 إلى 1.9 مليار ليرة (−38.4%)، بما يعكس تراجعاً في الإيرادات المرتبطة برسوم القطاعين التربوي والجامعي الرسميين. جدول يبين مقارنة الإيرادات الضريبية (النهار) تبلغ الرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية مجتمعة 329.2 تريليون ليرة، أي نحو 3.679 مليارات دولار، بما يعادل 53.5% من كامل الموازنة؛ أي إن أكثر من نصف الإنفاق العام يذهب إلى الأجور والتقاعد والمساعدات الاجتماعية. وبلغ «اكتساب الأصول الثابتة»، باعتباره المؤشر الأقرب إلى الإنفاق الاستثماري، 66.633 تريليون ليرة (745 مليون دولار)، أي 10.8% من إجمالي الإنفاق، وهو الفارق بين إجمالي الموازنة البالغ 614.945 تريل