بين راتب لا يكفي أكثر من حاجات أساسية، وأسعار تواصل الصعود، وضرائب تُطرح لتمويل موازنة تعاني أصلًا من الاختلال، يدخل اللبناني مرحلة معيشية أكثر قسوة، فيما تتقلص قدرته الشرائية تحت ضغط التضخم والحرب واهتزاز الاستقرار. وفي مشهد تختصره أرقام الأجور وكلفة الخبز والمحروقات، تبدو الفجوة بين ما يجنيه المواطن وما يحتاج إليه للعيش أوسع من أي وقت مضى. وحذّر أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور محمد موسى من استمرار التدهور في الواقع الاقتصادي والمعيشي في لبنان، معتبرًا أن اللبنانيين باتوا يواجهون ضغوطًا متراكمة على قدرتهم الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع المداخيل، بالتوازي مع تداعيات الحرب والأزمات الإقليمية وغياب الاستقرار الذي يشكل، برأيه، المدخل الأساسي لأي استثمار أو تعافٍ اقتصادي. وقال موسى، خلال مقابلة ضمن برنامج "3:15 إقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، إن تقرير صندوق النقد الدولي "كان قاسيًا جدًا، لكنه يحاكي الواقع اللبناني ويعكس حقيقة الأزمة"، لافتًا إلى أن الحد الأدنى للأجور يبلغ اليوم نحو 310 دولارات فقط. وأشار إلى أن الحد الأدنى للأجور بات يوازي تقريبًا ثمن 10 تنكات بنزين، في وقت يواجه فيه اللبناني أعباء يومية متزايدة، خصوصًا مع الاقتراب مما وصفه بـ"شهر الميم"، أي المدارس والمازوت والمونة والمستشفيات وتجديد التأمين، فضلًا عن حاجة سكان القرى والأطراف إلى المازوت للتدفئة. وأوضح موسى أن نسبة التضخم بلغت 17.5%، ما يعني ارتفاع الأسعار من دون ارتفاع موازٍ في الموارد، معتبرًا أن القدرة الشرائية للبنانيين هي أول المتضررين من هذا الواقع. ولفت إلى أنه لم تطرأ حتى الآن زيادات فعلية على رواتب القطاعين العام والخاص، مشيرًا إلى أن كل ما يُطرح لا يزال في إطار الحديث عن زيادات لم تُقر أو تُدفع بعد. وفي مقاربة لحجم الفجوة بين الأسعار والأجور، قال موسى إن سعر ربطة الخبز ارتفع اليوم نحو 60 ضعفًا مقارنة بـ 2019، في حين أن الرواتب لم ترتفع بالمقدار نفسه، مؤكدًا أن هذا الواقع لا يقتصر على الخبز بل ينسحب على مختلف السلع الأساسية. وتطرق موسى إلى تأثير الحرب وأزمة النفط العالمية على لبنان، مشددًا على أن البلاد، بوصفها دولة مستهلكة للنفط، تتأثر مباشرة بأي اضطراب عالمي في أسواق الطاقة، فيما لا يزال ملف النفط اللبناني مجمّدًا، وقال ساخرًا: "نفطنا نايم مع توتال وعم يشخروا بالبحر". وفي ما يتعلق بالضرائب وتمويل الموازنة، أشار موسى إلى أن المسؤولين يقولون إن الموازنة لا تحتمل وإن الدولة مضطرة إلى فرض ضرائب لتمويلها، في وقت تشير فيه تقارير "الإسكوا"، وفق ما قال، إلى أن ما بين 50% و60% من اللبنانيين إما فقراء أو تحت خط الفقر. كما أشار إلى أن تقرير البنك الدولي أظهر تفاقم الأزمة مع تراجع النمو بنسبة 6.4%، رابطًا ذلك بتوقف الحركة السياحية وتأثر مختلف القطاعات الاقتصادية. وشدد موسى على أن "الاستقرار هو مفتاح الاستثمار"، إلا أن لبنان، بحسب تعبيره، لا يزال يعيش مرحلة من الاستقرار الهش في ظل استمرار الإحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وأضاف أن "لبنان لا يزال في عين العاصفة"، معتبرًا أنه طالما بقي الإقليم ملتهبًا، فإن البلاد ستبقى عرضة لتداعياته وستتأثر بها بصورة أكبر. ووصف موسى الوضع المعيشي للبنانيين بأنه "يُرثى له"، نتيجة الارتفاع المتواصل في الأسعار منذ عام 2019، مرورًا بالثورة وجائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية، وصولًا إلى حرب غزة، والحرب الإيرانية_ الإسرائيلية واشتعال الإقليم. وأكد أن القوة الشرائية للعملة تتراجع باستمرار، ما يؤدي إلى انخفاض قيمتها الفعلية وتآكل قدرة المواطنين على شراء السلع والخدمات، معتبرًا أن اللبنانيين باتوا يعيشون حالة عجز متزايدة أمام الأعباء اليومية. وختم موسى بالقول إن "جميع اللبنانيين يعيشون حالة من العجز، وإذا كانت أميركا نفسها تمر بمرحلة اهتزاز اقتصادي، فكيف سيكون الحال في دولة مثل لبنان؟"، في إشارة إلى حجم هشاشة الاقتصاد اللبناني أمام أي اضطرابات داخلية أو خارجية. ويأتي هذا الواقع امتدادًا لمسار اقتصادي ومعيشي بدأ يتفاقم منذ عام 2019، وتوالت عليه أزمات داخلية وخارجية من جائحة كورونا إلى انفجار مرفأ بيروت والحرب الروسية الأوكرانية ثم التوترات والحروب في المنطقة، ما جعل الاقتصاد اللبناني أكثر تعرضًا للصدمات، في وقت بقيت فيه الأجور والقدرة الشرائية عاجزتين عن مواكبة الارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة.