لم يعد السؤال في لبنان اليوم ما إذا كان الاقتصاد قد خرج من أزمته المالية، بل ما إذا كان الاستقرار النقدي والمالي الهش الذي تحقق خلال الفترة الأخيرة قادراً على الصمود أمام الصدمات السياسية والجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة. فعام 2026 يقترب من نهايته والاقتصاد والمالية تحملان إرث الانهيار المالي والمصرفي الذي بدأ عام 2019، فيما لم تُعالج بصورة نهائية كل الاختلالات التي أدت إلى ذلك الانهيار. وفي الوقت نفسه، عاد لبنان إلى قلب الصراع الإقليمي، بالتزامن مع تصعيد أميركي اقتصادي جديد ضد إيران وشبكات مرتبطة بها، ومن بينها حزب الله. وهنا يصبح من الخطأ تحليل الاقتصاد اللبناني بعيداً عن السياسة. تتضافر الاختلالات الاقتصادية والمالية الداخلية مع صدمة سياسية خارجية، لتتداخل مع المخاطر السياسية والأمنية الداخلية المتمثلة في ارتفاع حدة الصراع على الصلاحيات أو التشظّي السياسي الداخلي أو التدهور الأمني؛ وهو ما يتسبب في تراجع الثقة والتدفقات الدولارية، ليؤول كل ذلك في النهاية إلى اندلاع أزمة مالية ونقدية عميقة. إن العامل الداخلي لا يقل خطورة عن الخارجي، إذ أثبتت التجربة أن لبنان قادر على استيراد الأزمات من الخارج، لكنه أيضاً بارع في إنتاجها من الداخل عندما تتوقف آليات العمل المؤسساتي أو تُستنزف شرعية الدولة في إدارة المال العام. الانهيار اقتصادي في عام 2019 مدفوعاً بالعامل السياسي لا يمكن علمياً تحميل عامل واحد مسؤولية انهيار 2019. فلبنان كان يعاني قبل الأزمة من دين عام مرتفع، وعجز مالي مزمن، وعجز كبير في الحساب الجاري، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الأموال من الخارج وعلى الاستدانة عبر سصندات الدين لتمويل الاستهلاك والدولة والنظام المصرفي. والأخطر من ذلك أن مصرف لبنان كان قد لجأ منذ 2016 إلى ما عُرف بـ«الهندسة المالية»، أي استقطاب ودائع دولارية جديدة بفوائد مرتفعة جداً لتمويل عجز الحساب الجاري والدفاع عن سعر الصرف الثابت، وهو نموذج أقرب في بنيته إلى مخطط بونزي منه إلى سياسة نقدية مستدامة، بما أنه يحتاج إلى تدفق دولاري متجدد ومتصاعد لمجرد الاستمرار، لا للنمو. وقد بدأت تدفقات الودائع إلى لبنان بالانعكاس فعلياً في عام 2018، بحسب صندوق النقد الدولي، متأثرة بتوترات سياسية إقليمية سبقت التصعيد الأميركي على إيران بأشهر، أبرزها أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض في نهاية 2017 وما رافقها من تدهور في العلاقة مع دول الخليج، إلى جانب تزايد المخاوف من هشاشة القطاع المصرفي نفسه. ثم تفاقمت أزمة السيولة في 2019 عندما بلغ نموذج «الهندسة المالية» حدوده القصوى، وتحولت الأزمة إلى خروج كبير لرؤوس الأموال وانهيار مصرفي ونقدي. وفي تلك المرحلة نفسها كانت الولايات المتحدة قد صعّدت سياسة العقوبات على إيران وشبكاتها وحلفائها في المنطقة، بما في ذلك لبنان، فأضافت طبقة ضغط إضافية على الثقة الخارجية بالمنظومة المالية اللبنانية، لكنها لم تكن المحرك الأول للانهيار بل عاملاً مساهماً ضمن بيئة كانت أصلاً في طريقها إلى الانفجار بفعل اختلالاتها البنيوية. لذلك ساهمت العقوبات الأميركية، إلى جانب الاختلالات الداخلية والهندسة المالية، في زيادة هشاشة الاقتصاد وتسريع تآكل الثقة، فيما كانت الاختلالات البنيوية هي التي جعلت الاقتصاد اللبناني قابلاً للانفجار أساساً. وكذلك ساهمت البيئة السياسية الإقليمية، من التوتر مع الخليج إلى تصعيد العقوبات على المحور الإيران، في تسريع تآكل الثقة وتدفقات الأموال، وصولاً إلى الانفجار المالي في 2019. نجح مصرف لبنان في تثبيت سعر الصرف بدرجة كبيرة، وتحسّنت المالية العامة، وتم ضبط الكتلة النقدية بالليرة، كما حقق الاقتصاد نمواً حقيقياً قُدّر بنحو 4.2% في عام 2025 وفق أحدث تقديرات البنك الدولي، وهو أسرع معدل نمو منذ بداية الأزمة المالية عام 2019. وكان البنك الدولي قد توقع في مطلع عام 2026 استمرار التعافي بمعدل يقارب 4%، قبل أن تقلب الحرب الجديدة هذه التوقعات. ففي أحدث تقرير لـ«Lebanon Economic Monitor»، الصادر في أغسطس/آب 2026، توقع البنك انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4% خلال عام 2026 نتيجة الصراع، وتراجع السياحة والاستهلاك، واضطراب سلاسل الإمداد وتصاعد المخاطر الأمنية. وهكذا انتقل لبنان خلال عام واحد من: نمو 4.2% في 2025 إلى انكماش متوقع 6.4% في 2026. وهذه وحدها إشارة خطيرة إلى حجم الصدمة. وهذ هي العوامل التي تجعل من الاوضاع الآن مقلقة ومشابهة لمسببات الأزمة : بلغ احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان نحو 11.6 مليار دولار في آب 2026. وهو رقم مهم، لكنه لا يمكن اعتباره ضمانة لمنع الانهيار. فالدرس الأهم من عام 2018 هو أن امتلاك احتياطي كبير (حوالي 33 مليار دولار) لا يمنع الأزمة إذا فقد الاقتصاد الثقة وبدأت التدفقات الدولارية بالخروج