لفت على جدول أعمال مجلس الوزراء، مشروع قانون معجل يرمي الى استفادة الرؤساء الروحيين للطوائف الاسلامية في لبنان، من معاش تقاعدي. فأي آليات يخضع لها هؤلاء؟ هل يتبعون لاحكام الادارة؟ ام ان الامر يحتاج بالفعل الى قانون؟ اولا، في الشكل. ثمة ملاحظة ان المشروع اتى بصفة المعجل، مما يعني ان الحكومة تتعامل معه كمشروع ذي صفة استعجال، لكن لا يعني أن الحكومة تستطيع إقراره نهائياً، فالصفة التشريعية النهائية تبقى لمجلس النواب. قانونا، ينطلق الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين من المادة 88 من الدستور، ليشرح ان " رؤساء الطوائف الاسلامية ليسوا موظفين في الدولة، ولايتهم روحية انتخابية لا وظيفية تعيينية، ولا يدخلون في ملاك أي ادارة عامة ولا يخضعون لنظام الموظفين ولا لنظام التقاعد والصرف من الخدمة". ويوضح انه " لهذا السبب لا يمكن تخصيصهم بمعاش الا بقانون، فالمادة 88 من الدستور تمنع اي تعهد يرّتب انفاقا من مال الخزينة الا بموجب قانون، ولا يغني عنه مرسوم ولا قرار مجلس وزراء ولا بند في الموازنة، فلزوم القانون ليس نقيض عدم كونهم موظفين، بل هو نتيجته المباشرة". من جهته، يرى الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل ان " الدستور اعطى الحكومة حق المبادرة التشريعية. قد تكون الحكومة ربما اكثر اطلاعا على مرافق الدولة وعلى مجريات البلاد وحاجاتها، مما جعلها تقدّم الموضوع على شكل مشروع قانون معجل، بدل ان يأتي من مجلس النواب كاقتراح قانون". ويتدارك: " لو بادرت الحكومة الى اصدار مرسوم واخضعت رؤساء الطوائف لشرعة التقاعد ورفعت مخصصاتهم، فتكون قد اقتنصت صلاحية دستورية ليست لها. في النهاية، ان مشروع القانون سيقر بمرسوم ثم يرفع الى مجلس النواب لاقراره". ويتوقف عند " المادة 16 من الدستور التي تنص على ان تتولى السلطة المشترعة هيئة واحدة هي مجلس النواب، ومن بين المجالات التشريعية هي المسائل الطائفية، وهذا ما أكده المجلس الدستوري. ان حق الدولة في التشريع هو حق من حقوق السيادة التي تستمد مصدرها من الشعب وتمارسها الدولة عبر مؤسساتها الدستورية، وان سلطة التشريع هي سلطة أصيلة ومطلقة وقد حصرها الدستور بهيئة واحدة دون غيرها هي مجلس النواب". ومن بين القوانين، وفق اسماعيل، " قانون انشاء كلّ طائفة على حدة، والمعطوف أصلا على قانون رقم 46/2017 الّتي تحدد قيمة مخصصات رؤساء الطوائف، فهذه الخصوصية لا تعني خضوع رؤساء الطوائف إلى نظام الموظفين الّذي يطبّق على الموظفين العموميين. هم أشخاص منتخبون في موقع محدد المدة، لا في وظيفة دائمة، حيث لا يتقاضون راتبا، بل مخصصات يحددها قانون خاص، ما يعني خروجهم عن نظام الموظفين المعمول به في الادارات العامة". وبمعزل عن الدستور، ثمة جدلية تطرح: بين حق الدولة وحق من يتحدّاها. اذ تثار علنا علاقة رجال الدين بالدولة نفسها، فهل يجوز أن تلتزم الخزينة العامة تأمين معاش تقاعدي لمسؤولين روحيين، في وقت يختار بعضهم، في مواقف وتصريحات معلنة، مخاطبة الدولة أو السلطة بلغة التحدّي، بل يصل أحياناً إلى حدّ شتمها أو التشكيك بشرعيتها أو رفض قراراتها؟ تلك مسألة تصبح اخلاقية اكثر منها قانونية. والامر يتعدّى حكما حق أي رئيس روحي في إبداء رأيه أو معارضته للسلطة، بل تصبح المفارقة عميقة حين ثمة من يستفيد من المال العام، يقف في موقع المواجهة للسلطة التي تؤمّن له هذا المال!