واشنطن تضغط و«إسرائيل» تفاوض بالنار: الجنوب ورقة ابتزاز قبل جولة روما يتكثّف الحراك الأميركي في محاولة لإبقاء مسار التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي قائمًا، وتجسّد ذلك في زيارة السفير ميشال عيسى إلى فلسطين المحتلة ولقائه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بحضور السفير الأميركي لدى تل أبيب مايك هاكابي. ووفق المعلومات المتداولة، حمل عيسى مطالب لبنانية محدّدة يُراد تثبيتها كأرضية ضرورية لاستكمال التفاوض، فيما أُبلغ المسؤولون اللبنانيون بالزيارة من دون الكشف عن تفاصيل الطروحات، بانتظار اللقاء المرتقب مع رئيس الجمهورية جوزاف عون. لكنّ التحرّك الدبلوماسي الأميركي يجري في ظل واقع ميداني يناقض أي حديث عن مفاوضات متوازنة، إذ تواصل «إسرائيل» رفع منسوب التصعيد في الجنوب، في محاولة واضحة لتحويل التفوق الناري والاحتلال القائم إلى أوراق ضغط على لبنان قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض. وقد أكدت مصادر إسرائيلية حصول لقاء عيسى ونتنياهو عشية الجولة الثامنة المفترضة من المفاوضات. ورغم تداول 15 و16 أيلول موعدًا محتملًا لجولة روما، والتأكيدات الأميركية على عدم تأجيلها، فإنّ المعطيات الميدانية والتسريبات الإسرائيلية تشير إلى أنّ انعقاد الجولة لا يزال مرتبطًا بما تسميه واشنطن وتل أبيب «خطوات عملية على الأرض». وفي هذا السياق، برز موقف قائد الجيش العماد رودولف هيكل الرافض لتوسيع انتشار الجيش في ما يُسمّى «المناطق التجريبية» ما لم تقابل الخطوة اللبنانية التزامات إسرائيلية واضحة، بما يحول دون تحميل لبنان التزامات أحادية الجانب بينما يبقى الاحتلال مستمرًا. الاحتلال يرفع كلفة التفاوض بالنار ميدانيًا، شهد الجنوب والنبطية واحدة من أعنف موجات التصعيد منذ أشهر، مع شنّ جيش الاحتلال سلسلة غارات جوية وقصف مدفعي مكثف طال مرتفعات علي الطاهر والدبشة ودوحة كفررمان والنبطية الفوقا، إضافة إلى أحياء سكنية ومنازل في النبطية وعربصاليم، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى ورفع حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية إلى مستويات دامية. وسعى جيش الاحتلال إلى تبرير عدوانه الواسع بالحديث عن إطلاق مسيّرتين مفخختين باتجاه قواته في مرتفعات علي الطاهر، مدعيًا أنّ ضرباته استهدفت «مواقع توجيه الهجمات». غير أنّ توقيت التصعيد واتساع رقعته يطرحان بوضوح سؤالًا حول استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية كوسيلة لفرض وقائع جديدة قبل أي استحقاق تفاوضي. ويأتي ذلك بالتزامن مع تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أعلن استعداد الاحتلال للرد عسكريًا بالتنسيق مع واشنطن في حال تعرضه لأي هجوم إيراني. وبذلك، يتحوّل الجنوب اللبناني مجددًا إلى خط تماس متقدم في الصراع الإقليمي، فيما يحاول الاحتلال استغلال هشاشة الوضع الإقليمي لفرض معادلات أمنية وسياسية تتجاوز حدود الجنوب. «المناطق التجريبية» محاولة لفرض معادلة أحادية العقدة الأساسية في المفاوضات لا تتعلق بمبدأ انتشار الجيش اللبناني أو تعزيز سلطة الدولة، بل بالترتيب الذي تسعى «إسرائيل» إلى فرضه. فلبنان يريد انسحابًا إسرائيليًا واضحًا يتبعه انتشار الجيش وتثبيت سلطة الدولة، بينما تحاول تل أبيب قلب هذه المعادلة عبر المطالبة بخطوات لبنانية إضافية قبل تقديم أي التزام نهائي بالانسحاب. ومن هنا تكتسب قضية «المناطق التجريبية» أهمية تتجاوز البعد الأمني. فالقبول بانتشار الجيش في مناطق إضافية في ظل استمرار الاحتلال يعني عمليًا تحميل الجانب اللبناني مسؤوليات جديدة، فيما يبقى المقابل الإسرائيلي مؤجلًا ومفتوحًا على الشروط. وبالتالي، فإن موقف قيادة الجيش لا يعني رفض الانتشار أو رفض قيام الدولة بواجباتها، بل رفض تحويل المؤسسة العسكرية إلى طرف ينفذ التزامات منفردة لمصلحة الاحتلال. فأي انتشار إضافي يفترض أن يكون جزءًا من مسار متبادل يبدأ بانسحاب إسرائيلي وتسليم الأرض للدولة، ثم انتشار الجيش وآليات واضحة تمنع عودة الاحتلال أو فرض وقائع جديدة. أما مطالبة لبنان بتنفيذ خطواته أولًا، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، فتعني عمليًا تكريس معادلة «الالتزام اللبناني أولًا والمقابل الإسرائيلي لاحقًا». الجيش اللبناني في مرمى الضغط ولم يكن صدور تحذير قيادة الجيش من «مزاعم منسوبة إلى وسائل إعلام إسرائيلية» بشأن مواقف المؤسسة ومهماتها في الجنوب تفصيلًا هامشيًا. فالقيادة اعتبرت أن توقيت هذه المزاعم يهدف إلى زرع الشك وزعزعة الثقة بين الجيش واللبنانيين، مؤكدة استمرار عناصر المؤسسة في تنفيذ مهماتهم وفق توجيهاتها. ويأتي ذلك في وقت يحاول فيه الأميركيون والإسرائيليون الدفع باتجاه توسيع المسؤوليات الملقاة على الجيش اللبناني في الجنوب. ومن هنا تصبح المحافظة على تماسك المؤسسة وثقة اللبنانيين بها عنصرًا أساسيًا في مواجهة أي محاولة لتحويلها إلى أداة لتنفيذ أجندة خارجية. كما يبرز مؤتمر دعم الجيش في ب