"عادتِ الرّاياتُ تجتاحُ المدىوجعلنا موعدَ المجدِ غداًيا إماراتٍ على أبوابهامجدُ أيلولَ ضَوْءاً وأرغدا"كأنّ هذه الكلمات التي غنّتها السيّدة فيروز للإمارات قبل عقود، لم تكن أغنيةً لزمنٍ مضى، بل بقيت معلّقةً في فضاء الذاكرة الإماراتية، تنتظر لحظةً يعود فيها المعنى إلى أصله، وتصبح الرايات التي بشّرت بالمجد شاهدةً على وفاءٍ لا تُطفئه السنوات. فحين تطأ الإمارات أرض لبنان اليوم، لا ينبغي أن يُقرأ المشهد بلغة السياسة وحدها، ولا أن يُختصر في وفدٍ أو استثمارٍ أو مشروع. فبعض الزيارات تحمل أكثر من الملفات، تحمل ذاكرة. وبعض الأيادي حين تمتدّ لا تكون يدَ نجدةٍ عابرة، بل يدَ وفاءٍ تعود إلى مكانٍ كان، ذات يوم، جزءاً من تكوين الحلم. لأن لبنان لم يكن بالنسبة إلى الإمارات مجرد بلدٍ عربي يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في أوقات الشدة. كان لبنان أيضاً بلداً ألهم، وأضاء، وترك في الوجدان الإماراتي أثراً لا يُمحى. ففي زمنٍ كانت فيه الإمارات تخطو خطواتها الأولى نحو بناء الدولة، كانت بيروت مدينةً سبقت عصرها، مدينةً مضيئةً على المتوسط، نابضةً بالثقافة والفن والصحافة والجامعة والأسواق والانفتاح. كانت بيروت يومها واحدةً من الصور التي تستطيع مدينةٌ عربية أن ترى فيها ملامح مستقبلها. والأجمل أن هذه الصورة لم تبقَ في الكتب، بل استقرّت في وجدان رجلٍ أصبح لاحقاً أحد أبرز صانعي نهضة الإمارات. في كتابه "قصتي"، استعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ذكرياته الأولى مع بيروت، حين كان يأتي إليها من دبي، من بيوتها الطينية وشوارعها الترابية وأسواقها المبنية من سعف النخيل، فيرى في شوارع العاصمة اللبنانية النظيفة، وحاراتها الجميلة، وأسواقها الحديثة، مصدر إلهام له، وحلماً تردّد في ذهنه لصورة مدينة يحلم أن تكون دبي مثلها. كان فتىً من الصحراء ينظر إلى مدينةٍ على البحر، فيرى فيها احتمالاً للمستقبل. لم يرَ شوارع وحجارة وأسواقاً فقط، بل رأى معنىً أوسع، رأى مدينةً عربية تستطيع أن تكون حديثةً ومشرقةً ومنفتحةً على العالم، وأن تحمل روحها إلى المستقبل من دون أن تفقد هويتها. ثم مضت السنوات. كبر الفتى، وكبرت دبي، وتحوّل الحلم إلى واقع. نهضت المدينة من الصحراء حتى أصبحت واحدةً من أبرز مدن العالم، فيما كان لبنان يدفع أثمان الحروب والإنقسامات والأزمات، وتتراجع بيروت شيئاً فشيئاً عن الصورة التي احتفظ بها ذلك الفتى في ذاكرته. لكن بعض المدن لا تغادر الإنسان حين يغادرها، تبقى في مكانٍ ما بين القلب والذاكرة. ولذلك حين قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد " أذهلتني صغيراً، وعشقتها يافعاً، وحزنت عليها كبيراً "، لم يكن يتحدث عن مدينةٍ عابرة في سيرته، بل عن مدينةٍ تركت فيه أثراً ثم حمل هو صورتها معه عبر العمر. ومن هنا يصبح الحزن نوعاً من الوفاء، لأننا لا نحزن حقاً إلّا على ما أحببناه، ولا نشعر بالفقد إلّا تجاه ما كان يعني لنا شيئاً. وفي الجهة الأخرى من هذه الذاكرة، يقف إرث المؤسّس الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، الذي نظر إلى لبنان كقيمة عربية وجزءاً من البيت العربي، لا بلداً بعيداً على شاطئ المتوسط، وقد نُقل عنه في سياق حديثه عن لبنان أن نمو الدول العربية التي تؤمن بثقافتها وهويتها العربية يرتبط بنمو لبنان، كما ارتبط اسمه بمواقف داعمة للبنان وبمساعٍ لوقف الحرب وجمع اللبنانيين، في زمنٍ كان فيه الوقوف إلى جانب لبنان يحتاج إلى أكثر من الكلمات. كان ذلك هو الأصل، أن تقف إلى جانب لبنان في محنته، لا حين يكون في قوته فقط. ولهذا فإن ما يحدث اليوم يكتسب معنىً يتجاوز اللحظة السياسية.فالإمارات التي تعود إلى لبنان ليست فقط دولةً تنظر إلى فرص استثمارية، ولا شريكاً اقتصادياً يبحث عن مشاريع، إنها أيضاً تحمل ذاكرة رجل مؤسّس آمن بلبنان، وذاكرة رجلٍ رأى في بيروت حلماً، ثم جاء الزمن ليجعل الحلم دائراً بين المدينتين. اليوم، حين تعود الإمارات إلى لبنان، فإنها لا ترتدي ثوب الوصاية، ولا تأتي بمنطق الاستعلاء، بل تأتي بمنطق الشراكة الوجودية. إنها لا تحاول فرض قالبٍ أجنبي أو استنساخ مدينة، بل تسعى لأن تعيد لبيروت روحها، وثقتها بنفسها، وقدرتها الكامنة على الإبداع، إنها شراكة وجدانية تقول لكل لبناني، لسنا نأتي لنمنّ، بل لنردّ بعض الوفاء لمن علّم الصحراء معنى الحياة.فلبنان ليس سوقاً فقط.لبنان طاقة بشرية.لبنان علم وثقافة.لبنان طب وإعلام وفنون ومهن وحرف وصناعات وخدمات.لبنان بوابة بين الخليج والبحر المتوسط، وبين المشرق والعالم.واللبنانيون أنفسهم كانوا ولا يزالون جزءاً من مسيرة التنمية الخليجية. ذهبوا إلى الإمارات، وعملوا فيها، وأسهموا في بناء قطاعاتها، وشاركوا في نهضتها، ووجدوا فيها وطناً للعمل والحياة. لا نريد لبيروت أن تصبح دبي، كما لا تحتاج دبي أن تصبح بيروت.بيروت تحتاج أن تستعيد بيروت، أن تستعيد روحها، وثقافتها، ودو