تستدعي بعض التصريحات الأخيرة وردود الفعل عليها، ولا سيّما لِجهةِ وجود اشتراك بين الموحّدين الدروز وإسرائيل "حتّى في العقيدة"، وعن كَوْن الدروز جزءًا لا يتجزّأ منها، نقاشًا يتجاوز الموقف السّياسيّ الآنيّ إلى سؤال أكثر عمقًا: مَن يملك حقّ تعريف هُويّة جماعة تاريخيّة؟ وهل يجوز أن يتحوّل الخوف المشروع إلى مدخل لإعادة كتابة تاريخها؟ لا أتناول هذا الموضوع من موقع الدّفاع عن أي جهة، ولا من موقع التّقليل من المأساة التي أصابت أبناء السّويداء. فما تعرّضَ له الدّروز من قتل وانتهاكات خلال أحداث العام الماضي يستوجب الإدانة والمحاسبة، كما أنّ من حقّ أبناء السّويداء المطالبة بضمانات سياسيّة وأمنيّة ودستوريّة تكفل عدم تكرار ما حدث. بل إنّ عجز الدولة عن حماية مواطنيها هو أحد الأسباب الّتي راكمت هذا القَدر من الخوف وفقدان الثقة. لكنّ الاعتراف بهذہ الحقوق شيء، وإعادة تعريف الهُويّة الدرزيّة شيء آخر. فالمُوحّدون الدّروز جماعة دينيّة ذات خصوصيّة عقائديّة واضحة، ولا يصحّ، في المقابل، استخدام هذه الخصوصيّة لإخراجهم من تاريخهم العربيّ والإسلاميّ والمشرقيّ. ولعلّ كتابي "المُوحّدون الدّروز: ثقافة وتاريخ ورسالة"، الصادر عن "دار النّهار" عام 2008، يقدّم مادة مهمّة في هذا السّياق، إذ يعرض نشأة التّوحيد الدّرزيّ في البيئة الفاطميّة الإسماعيليّة في القرن الحادي عشر، وتطوّر العقيدة في سياق تاريخيّ وفكريّ إسلاميّ ومشرقيّ، مع احتفاظها بخصوصيّتها الدّينيّة ومسلكها الرّوحيّ. وهنا ينبغي التّمييز بين الخصوصيّة الدّينيّة والهويّة السّياسيّة. فَكَوْن الدّروز أصحاب عقيدة متميّزة لا يعني أنّهم قوميّة سياسيّة منفصلة عن العرب، كما أنّ وجود دروز في دولة إسرائيل لا يجعل إسرائيل وطنهم التّاريخيّ. فالتّوحيد الدّرزيّ أقدم من قيام إسرائيل بقرون، والوجود الدّرزيّ في بلاد الشام جزء من تاريخ المنطقة قبل نشوء الدّولة الإسرائيليّة بزمن طويل. وتكفي تجربة دروز الجولان لإظهار تعقيد هذہ المسألة. فقد رفض معظم سكّان الجولان المُحتلّ في مطلع الثمانينيّات فرض الجنسيّة الإسرائيليّة عليهم، وتمسّكوا بهويّتهم السورية، وخاضوا إضرابًا طويلًا احتجاجًا على قرار الضّمّ وفرض الجنسيّة. كما أنّ تاريخ الدّروز في سوريا يُقدّم شاهدًا آخر: فقد كان سلطان باشا الأطرش أحد أبرز قادة الثّورة السّوريّة الكبرى عام 1925، وهي ثورة تجاوزت حدود جبل الدروز إلى مشروع وطنيّ سوريّ لإقامة دولة عربية في سوريا، في مواجهة الانتداب الفرنسيّ. هذہ الوقائع لا تعني أنّ الدروز جماعة سياسيّة مُتجانسة، ولا أنّ عليهم تبنّي موقف واحد من سوريا أو إسرائيل أو غيرهما، لكنّها تعني أنّ اختزال تاريخهم في علاقة "طبيعيّة" بإسرائيل لا يستقيم مع التّاريخ. والأخطر أن تتحوّل الخصوصيّة الدّينيّة إلى قوميّة سياسيّة، ثمّ تتحوّل القوميّة إلى مشروع انفصال، ثمّ يصبح الانفصال في حاجة إلى حماية خارجيّة. ففي منطقة مثل الشّرق الأوسط، حيث استُخدمت الهويّات الطائفيّة والإثنيّة مرارًا في إعادة رسم الحدود والنّفوذ، ينبغي التّعامل بحذر شديد مع أيّ مشروع يُعيد تعريف جماعة دينيّة على أساس سياسيّ جديد، وهذا لا يُعفي العرب والمسلمين من مسؤوليّتهم. جزء من الغضب الدّرزيّ الرّاهن نابعٌ، بلا شكّ، من الشّعور بأنّ العالمَيْن العربيّ والإسلاميّ لم يقفا بالقَدْر الكافي إلى جانب ضحايا السويداء. وهذا تقصير لا ينبغي إنكارہ. فمن غير المعقول أن يُطلَب من الدّروز التمسّك بمحيطهم العربيّ، ثمّ يُتركَوا وحدهم عندما تسيل دماؤهم. التّضامن مع الضّحيّة لا ينبغي أن يكون انتقائيًّا، وحماية المواطن الدّرزيّ من الاعتداء ليست مسألة طائفيّة، بل مسؤوليّة أخلاقيّة ووطنيّة. أمّا إسرائيل، فإنّ اختزالها في صورة "دولة علم وحضارة" ينطوي على قدرٍ من المبالغة، ويُمَثِّل قراءةً انتقائيّةً تتجاهل السياق التاريخي والسياسي والأخلاقي الذي لا يمكن فصلها عنه. فالدول لا تُقاس بالشعارات أو بالمظاهر المادّية وحدها، بل تُقاس أيضًا بما تمارسه من سياسات، وبمدى احترامها للإنسان وحقوقه، وبموقفها من القانون والعدالة وكرامة الشعوب. لذلك، فإنّ إطلاق هذا الوصف من دون وضع سياساتها وممارساتها تجاہ الفلسطينيّين والسوريّين واللبنانيّين وغيرهم في ميزان أخلاقي وقانوني، لا يقدّم صورة كاملة، بل يساهم في تلميع صورة مجتزأة تتجاهل الجانب الأكثر جوهريّة في أيّ تقييم حضاري.انطلاقا من هنا، فإنّ الموقف المتوازن لا ينبغي أن يكون: إمّا دمشق وإمّا إسرائيل، بل ينبغي أن يكون: الدّروز أوّلًا، وحقوقهم أوّلًا، وكرامتهم أوّلًا، وسلامتهم أوّلاً، من دون أن يُطلَب منهم دفع ثمن أمنهم من هويّتهم وتاريخهم. من حقّ الدّروز أن يطلبوا ضمانات، وأن يطالبوا بالمحاسبة والعدالة واللّامركزيّة والشّراكة السّياسيّة، ومن حقّهم أيضًا أن يناقشوا مستقب