تكشف عمليات أمنية حديثة في ليبيا وجهاً مختلفاً للتهديد الذي يمثله "داعش". فالتنظيم الذي خسر قبل سنوات قدرته على السيطرة على مدن وأراضٍ، يتحرك اليوم عبر خلايا صغيرة وشبكات تجنيد ومسارات تهريب عابرة للحدود، مستفيداً من موقع ليبيا بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل ومن مساحات واسعة يصعب إخضاعها لرقابة أمنية متواصلة. وأظهر التقرير الـ38 لفريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع لمجلس الأمن أن جهاز الاستخبارات الليبي اعتقل أكثر من 15 مشتبهاً بهم مرتبطين بـ"داعش"، بينهم أشخاص عملوا في توفير الأسلحة والدعم اللوجستي، وفكك شبكات عدة للتجنيد، بينها خلية جندت فتيات لتنفيذ هجمات على مؤسسات تعليمية. كما تحدث عن ضبط نساء وأطفال جرى تهريبهم من سوريا باستخدام جوازات سفر مزورة. خلايا صغيرة بدل السيطرة على المدن ولا يقدم التقرير تفاصيل عن عدد الفتيات اللواتي جرى تجنيدهن أو أعمارهن أو المؤسسات التعليمية المستهدفة، كما لا يحدد مدى تقدم المخططات قبل تفكيك الخلية. إلا أن المعطيات تفتح نافذة على طريقة عمل التنظيم في مرحلة باتت فيها الشبكات الصغيرة أكثر أهمية من السيطرة العلنية على الأرض. يقدّر التقرير عدد مقاتلي "داعش" في ليبيا بنحو 100 عنصر يعملون في خلايا صغيرة، خصوصاً في منطقة فزان جنوب البلاد، تدعمهم مئات العناصر المتعاطفة، فيما يتزايد اعتماد التنظيم على الدعاية والتجنيد عبر الإنترنت. ويقول المستشار في مجلس الأمن القومي الليبي فيصل رزق بوالرايقة لـ"النهار" إن التحول الأبرز يكمن في طريقة استخدام التنظيم للجغرافيا الليبية. فبعد خسارته تجربة السيطرة على مدن مثل سرت، بات أكثر اهتماماً بـ"الحركة والاختباء والتمويل والتهريب وربط شبكات شمال أفريقيا بالساحل". وتمنح الجغرافيا هذا النموذج مساحة واسعة للحركة. فليبيا تتوسط شمال أفريقيا وتطل على البحر المتوسط، فيما يمتد جنوبها إلى فضاء الساحل والصحراء عبر حدود طويلة ومناطق يصعب مراقبتها بالكامل. لهذا، بحسب بوالرايقة، لا ينبغي قياس الخطر بعدد المقاتلين وحده. فقد يكون التنظيم أضعف عسكرياً مما كان عليه قبل سنوات، لكنه يستطيع استخدام شبكات التهريب القائمة أصلاً لنقل الأشخاص والأموال والأسلحة وربط خلايا موزعة بين أكثر من دولة. ويتقاطع ذلك مع خلاصة التقرير الأممي الذي اعتبر أن الضغط المستمر لمكافحة الإرهاب أبقى "داعش" و"القاعدة" في شمال أفريقيا تحت الضغط، فيما استمر التنظيمان في استغلال جيوب محدودة تعاني ضعف الحوكمة، وخصوصاً قرب حدود منطقة الساحل. عناصر من قوات الأمن الليبية عند نقطة تفتيش في محيط محكمة مصراتة، خلال محاكمة متهمين بالانتماء إلى تنظيم داعش، في 29 أيار/مايو 2023. (أ ف ب) من سوريا إلى ليبيا... من يفتح الطريق؟ وتبرز خطورة الشبكات العابرة للحدود بصورة أوضح في كشف السلطات الليبية نساء وأطفالاً جرى تهريبهم من سوريا بجوازات سفر مزورة، في وقت يثير مصير آلاف الأشخاص المرتبطين بـ"داعش" في سوريا قلقاً أمنياً متزايداً. وبالنسبة إلى بوالرايقة، لا تكمن القضية الأساسية في الشخص الذي وصل إلى ليبيا، وإنما في السلسلة التي أوصلته إليها. فالحصول على وثيقة مزورة والانتقال بين محطات عدة والتواصل مع مهربين والوصول إلى وجهة نهائية يعني وجود شبكة من الممولين والمزورين والوسطاء والمستقبلين. ويعتبر أن القبض على الشخص يمثل بداية التحقيق الأمني، بينما تكمن الأولوية في الوصول إلى الحلقات التي جعلت الرحلة ممكنة، لأن بقاء هذه الشبكات يعني أن المسار نفسه يمكن استخدامه لنقل آخرين. وتزداد حساسية هذا المسار مع التطورات في سوريا. فالتقرير نفسه يشير إلى أن ما بين 15 ألفاً و20 ألف شخص مرتبطين بـ"داعش"، غالبيتهم من النساء والأطفال، ظل مصيرهم غير محسوم بعد إغلاق مخيم الهول في 22 شباط/فبراير، فيما قدّرت دول أعضاء أن أكثر من ألف منهم ربما التحقوا بالتنظيم أو بجماعات مسلحة أخرى. ولا تكفي المعطيات المتاحة، بحسب بوالرايقة، للقول إن ليبيا تحولت إلى منصة لانطلاق "داعش" نحو أوروبا. إلا أن طرق الهجرة والتهريب عبر المتوسط تبقى بنية جاهزة يمكن لشبكات متطرفة محاولة استغلالها، ما يرفع أهمية العمل الاستخباري على امتداد الطريق بدلاً من التركيز على نقطة الوصول وحدها. ويأتي هذا النشاط في بيئة أمنية لا تزال تعاني انقسامات وثغرات واسعة. وفي 10 آب/أغسطس، قُتل رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا فوزي المنصوري بانفجار عبوة في سيارته في بنغازي، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم الذي حمل بصمات الجماعات الإرهابية، فيما فتحت السلطات تحقيقاً في العملية. ويمتد التهديد كذلك إلى نشاط "القاعدة" في جنوب غربي ليبيا. ويشير التقرير الأممي إلى أن عناصر التنظيم لا تزال تستفيد من الروابط القبلية للحفاظ على شبكات دعم لوجستي مرتبطة بفروعه في منطقة الس