أعاد صعود الذكاء الاصطناعي رسم خريطة سوق البرمجيات، بعدما انتقل تدريجياً من أداة تساعد المستخدم في أداء عمله إلى تقنية تستطيع تنفيذ بعض المهام نيابة عنه. هذا التحول يفرض ضغوطاً متزايدة على النموذج الذي اعتمدت عليه شركات البرمجيات خلال العقدين الماضيين من الزمن، والقائم على اشتراكات شهرية أو سنوية تُحتسَب في الأغلب بحسب عدد المستخدمين. ويبرز في قلب هذا التحول ما يُعرف بـ"الذكاء الاصطناعي الوكيل"، أي الأنظمة القادرة على التخطيط للمهمات وتنفيذها بدرجة من الاستقلالية، عبر التعامل مع تطبيقات وقواعد بيانات مختلفة للوصول إلى النتيجة المطلوبة. وقد تمكّن هذه الأنظمة الشركات من إنجاز أعمال كانت تستلزم استخدام عدة برامج أو التنقل بين واجهات متعددة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء تلك البرامج، إذ قد تظل تعمل في الخلفية وتوفر البيانات والبنية التشغيلية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي الوكيل. يهدد هذا التطور خصوصاً نموذج التسعير القائم على عدد المستخدمين. فإذا استطاع ذكاء اصطناعي وكيل تنفيذ عمل كان يتطلب دخول عدد من الموظفين إلى البرنامج، تصبح العلاقة التقليدية بين زيادة عدد المستخدمين وارتفاع إيرادات شركة البرمجيات أقل وضوحاً. ومع اتساع استخدام هذه الأنظمة، تتزايد احتمالات انتقال القطاع إلى نماذج تسعير تعتمد على حجم الاستهلاك، أو عدد المهمات المنجزة، أو النتائج المتحققة، بدلاً من الاكتفاء باشتراك ثابت في مقابل الوصول إلى البرنامج. تَظهَر مؤشرات هذا التحول بوضوح في المؤسسات المالية، التي بدأت تنتقل من اختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى إدماجها في بعض عملياتها الأساسية. وفق تقرير "دليل الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية"، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع شركة الاستشارات "أكسنتشر" في حزيران/يونيو 2026، تعيد مؤسسات مالية تصميم عملياتها حول أنظمة ذكية قادرة على تولي مهمات أكثر تعقيداً، مع تقليل التدخل البشري المباشر والإبقاء على الرقابة والمساءلة. واستناداً إلى تقديرات مؤسسة البيانات الدولية "آي دي سي"، يشير التقرير إلى أن قيمة سوق الذكاء الاصطناعي العالمية قد تتجاوز 631 مليار دولار بحلول عام 2028. لكن هذه التقديرات، على أهميتها، تحتاج إلى التعامل معها بحذر، نظراً إلى اختلاف تعريفات السوق وسرعة تغيرها. هذه الأرقام لا تعني أن الذكاء الاصطناعي حل محل البرمجيات التقليدية، لكنها تكشف اتساع حضوره في ميزانيات الشركات وقدرته على التأثير في طريقة تصميم البرمجيات وتسعيرها. 234 مليار دولار أمام إعادة التوزيع تعطي تقديرات مؤسسة "غارتنر" صورة أوضح عن حجم التحول المحتمل. لقد توقعت المؤسسة أن يصبح ما يصل إلى 234 مليار دولار من الإنفاق على برمجيات تطبيقات المؤسسات عرضة لإعادة التوزيع أو إعادة التسعير بفعل الذكاء الاصطناعي الوكيل حتى عام 2030. ويمثل هذا المبلغ نحو 20 في المئة من الإنفاق المتوقع على تطبيقات المؤسسات المقدمة وفق نموذج "البرمجيات كخدمة" في ذلك العام. ولا يعني وصف هذا الإنفاق بأنه "معرض إلى الخطر" اختفاءه بالكامل، بل احتمال انتقال جزء منه من برامج واشتراكات تقليدية إلى أدوات جديدة، أو إعادة تسعيره على أساس الاستخدام والمهمات والنتائج بدلاً من عدد الموظفين المرخص لهم باستخدام البرنامج. ولا يقتصر التحول على طريقة استخدام البرمجيات. وفق شركة الاستشارات "ماكينزي أند كومباني"، ازداد عدد شركات البرمجيات التي تتبنى التسعير القائم على الاستهلاك بأكثر من الضعف بين عامي 2015 و2024. ويعكس ذلك اتجاهاً كان قائماً قبل الطفرة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، لكنه اكتسب زخماً إضافياً معها؛ ينطوي تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي على تكاليف تشغيل متغيرة، كما أن القيمة التي يحصل عليها العميل لم تعد مرتبطة دائماً بعدد المستخدمين، بل بحجم العمل الذي ينجزه النظام. يأتي هذا التطور امتداداً لتحول أوسع شهدته صناعة البرمجيات خلال العقود الماضية. يوضح عاصم جلال، الاستشاري في العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات لدى "جي آند كيه"، في تصريحات خاصة، أن نموذج عمل شركات البرمجيات "انتقل خلال العقدين الماضيين من شراء البرنامج مرة واحدة إلى الاشتراكات الشهرية والسنوية، المعروفة بنموذج 'البرمجيات كخدمة'، الذي يمنح العميل حق الاستخدام المستمر إلى جانب التحديثات والدعم الفني". ويقول جلال: "تتمثل المفارقة الحالية في أن العملاء أصبحوا يدفعون اشتراكات مستقلة في مقابل الحصول على أدوات الذكاء الاصطناعي، فيما تستطيع هذه الأدوات نفسها توفير حلول لعدد متزايد من المهمات اليومية، بدءاً من تلخيص المستندات وزيادة الإنتاجية، وصولاً إلى تحويل الملفات وتحليل البيانات وبناء تطبيقات بسيطة". ويرى جلال أن البرامج الأكثر تعرضاً إلى الضغط هي الأدوات التي تؤدي مهمة واحدة محددة ي