لم تُطفئ المصباح... تركته معلّقاً بين حدود العتمةِ والنور، ربما ليحرس ما تبقّى من حضور الروح فيها، حين يستبدّ الظلام بالمكان...وقفتْ على الشرفة تسأل عن الراحلين، فحملها الغياب إلى حضن الغمام... رصاصةٌ في القلب ألقت بها على درب الرحيل، قبل أن تسقي شجيرة الغاردينيا، وتفتح نافذة الصباح على أزهار البيت، بانتظار أن يبادلها أحدٌ بعض الكلام...ضاقت بي الأرض، وصار الطريق يحشر أسئلتي العالقة بين الحياة والموت، بين الموت والرؤية، بين الذكريات والأحلام...رحت أمشي في مدينة كان الموت يوزّع جثث أبنائها على الطرق والأرصفة، في البيوت والساحات، حتى لم يعد للمكان متّسع من المكان في ضجيج وقت خائف من أن يمسّه الجنون.موت يلاحق أحلام الضحايا.سيل من دمٍ يجرف الحكايات القديمة،حذاء طفل عند باب بيت يحترق،نافذة مشرعة على أفق لا يطلّ على شيء،وصوت يهمس من تحت أنقاض الآتي:لا ترفعوا راية الحزن في طريقكم نحو النجاة...يا أيتها المدينة النازفة، حتى اصطبغت حجارتك بالدم، لا تدفني أولادك في قبور نزورها مع أحفادنا في مواسم الذكرى، ثم نمضي كأنهم لم يكونوا سوى أسماء عابرة في سجل الأيام...إغرسيهم بين أضلاع الوقت، ودعيهم... كبذور القمح ينبتون، كدوالي العنب يصعدون، كأشجار التفاح والتين والزيتون يزهرون ويكبرون ويكبرون، ولو سقتهم مواسم كثيرة طعم الجفاف فثمة مطر لا بد من أن يهطل فوق أديم الأرض، ليغسل هذا الدم، ويمسح عن جبينها بعض الآلام.الوطن... ليس خارطةً تطوى في جيب جنرال يتثاءب.الوطن... راية لا تسقط، ونافذة تترك للغائب بصيصاً من الضوء في الليل على درب الأمل، قلب يخفق، وصوت أم يسأل حين يطول الغياب:هل وصلت؟نعم، يا أمي... ها أنذا قد وصلت.وصلت إلى مكانٍ لا يطالب الغائب بأن يبرّر غيابه، مثل تلميذ شقي هرب من المدرسة، ولا يطلب من الحيّ أن يعتذر عن بقائه حيّاً في عالمٍ مكتظ بالموت...وصلت إلى هناك، إلى حيث يمشي الأحياء حاملين موتاهم على أكتافهم، نحو الضوء، نحو النور.وصلت... فلا تطفئي المصباح يا أماه...دعيه مضاءً، حتى لا يضل الطريق من بقي منا على قيد الحياة.حتى لا ننسى الموعدحتى لا يضيع منا أبداًهذا العنوان...