يتولى الأمير في الديوان الملكي السعودي، يزيد بن فرحان، ضبط إيقاع العلاقة بين معراب وبعبدا. ثمة تمنٍّ سعودي واضح بعدم إزعاج رئاسة الجمهورية أو التعرّض لها في الظرف الراهن، وهو تمنٍّ ينسحب على حلفاء الرياض كافة. لذلك، تبدو معظم هذه القوى صامتة إزاء “الحفلة التفاوضية” الجارية. هو تمنٍّ أقرب إلى الإملاء، تنفّذه معراب بالضبط. لكن القوات ورئيسها وبعض نوابها ومسؤوليها وناشطيها يخرجون، بين حين وآخر، عن المسار، فيكيلون الانتقادات إلى الرئاسة؛ مرة بصورة مباشرة، ومرات كثيرة عبر اللف والدوران. وبشيء من “الدوزنة”، يجري توسيع دائرة الانتقاد لتشمل السلطة، كل السلطة، كي لا يبدو أن بعبدا هي المستهدفة حصراً. بعدها، تعود الأمور إلى سياق التعايش السابق، تحت السقف السعودي نفسه. وعندما يُطرح السؤال عن سر هذا التجاذب والتخبّط في الموقف القواتي، يأتي الجواب سريعاً: القوات لا تستطيع الغرق أكثر في الإحراج، وثمة تفهّم لحاجتها إلى هامش سياسي يحول دون إحراجها بصورة واسعة، ولا سيما داخل الساحة المسيحية. لذلك، تأتي الاعتراضات محسوبة، والردود مدروسة، والسقف مضبوطاً. وهذا تحديداً ما يُتوقع أن يظهر خلال إحياء القوات “قداس الشهداء” في 6 أيلول المقبل. فالقوات، المحرجة في حجم المشاركين، والمحاصرة مسيحياً بخطابها وأداء وزرائها ونوابها، والعاجزة حتى الآن عن تقديم نموذج إداري - تغييري مختلف في الوزارات والإدارة، تجد نفسها أمام حاجة إلى إعادة إنتاج خطابها الاعتراضي. لذلك، تدرس في قداسها اعتماد مسارين متوازيين: الأول، خلق ضجة حول احتمال استهداف المهرجان بما يبرر نقل الاحتفال من الباحة إلى القاعة؛ والثاني، رفع منسوب الاعتراض السياسي، ولكن ضمن الحدود المسموح بها. ومن هنا، تخضع المواقف والتعابير التي سيستخدمها “الحكيم” في خطابه لعملية قياس دقيقة، بحيث يستطيع “ذم سلطة” هو جزء منها، من دون أن تتحول معارضته لها إلى مواجهة مفتوحة معها. لكن المشكلة التي تشغل معراب اليوم أكبر من خطاب في قداس. فقضية وزير الخارجية يوسف رجي ليست وحدها التي تشغل بالها، وتداعيات "ضربة" تسوية الإقامة للسفير الإيراني ووضوح أنامل الرئيس فيها، ولا “هفوات” النائب بيار بو عاصي، ولا الأخطاء القاتلة لغادة أيوب، التي لم تترك صاحباً في الأجهزة وورّطت “الحكيم” في أزمة مع الأمن العام، ولا حتى بطولات الوزير جو صدي، الذي ترك كوارث قطاع الكهرباء، وكأنه انتهى من مشروع تزويد اللبنانيين بـ20 ساعة كهرباء، ليتفرغ لضرب بيت زعيتر نهرياً في أفقا، ولا حتى موظفي معراب الذين تحولوا إلى "جلباب بعبدا". فثمة سلطة تنافس القوات اليوم في ملعبها نفسه، بل في مفردات خطابها الذي بنت عليه جزءاً أساسياً من حضورها السياسي خلال السنوات الماضية. ووفق حديث أهل الأبحاث والأرقام وأرباب الساحة المسيحية، فإن هذه السلطة، وتحديداً رئيس الجمهورية جوزاف عون، بدأت تأكل من الصحن القواتي في البيئة المسيحية، مستخدمة العناوين نفسها تقريباً: الخطاب السيادي، مجابهة حزب الله، حصرية السلاح، والعلاقة مع إسرائيل. والأكثر إزعاجاً لمعراب أن السلطة الراهنة ورئيس الجمهورية تمكنا، خلال فترة قصيرة جداً، من الذهاب بعيداً في تنفيذ خطاب وبرنامج ومشروع تقوم القوات منذ سنوات طويلة بالعمل عليه من دون أن تتمكن من تحويله إلى واقع. فالقضية ربما لم تكن يوماً عجزاً عن التنفيذ، ولا غياباً للدعم أو الإدارة. فالجهات الإقليمية والدولية نفسها التي تدعم الرئاسة اليوم، والتي بدأت تستقطب المسيحيين تدريجياً، هي نفسها التي شكّلت في مراحل سابقة منصات دعم للقوات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه داخل هذا النقاش هو: هل كانت غاية القوات فعلاً إنهاء الحالة التي بنت خطابها على مواجهتها، أم أن استمرار وجود خصم بحجم حزب الله بقي حاجة سياسية تتيح لها إبقاء أسباب التعبئة قائمة، وخلق الأزمات وتجييش الجمهور والمحافظة على وجود “العدو” الذي يشكل أحد أبرز عناصر خطابها؟ بمعنى آخر، ماذا يبقى من جزء أساسي من خطاب القوات إذا انتفت الأسباب التي قام عليها؟ من هنا، يمكن فهم جانب من القلق القواتي من صعود عون مسيحياً. في موازاة ذلك، ليست معراب مرتاحة إلى أداء وزيرها في الخارجية. فليس سراً أن استبعاد يوسف رجي - وهو، لمن نسي، وزير الخارجية - عن الملفات الأساسية والزيارات الخارجية في لحظة الذروة اللبنانية، وحصر حضوره إلى حد بعيد بإصدار البيانات وإجراء الاتصالات الخارجية عن بُعد، شكّلا حرجاً شديداً لمعراب، الموجوسة أصلاً بفكرة التفوق على جبران باسيل في الوزارات التي سبق أن شغلها. لكن ثمة ما هو أكثر إحراجاً: الخطأ في اختيار رجي نفسه لتولي هذه الحقيبة. فالرجل، وفق القراءة التي بدأت تتكون لدى مقربين من معراب، لم يتحول إلى الشخصية التي اعتُقد أنها ستكون قادرة على مناكفة رئيس الجمهورية ومشاغلته سياسياً، ولم