د. دالية خريباني-أستاذة في ملاك الجامعة اللبنانية متى ستقرع أجراس الفرح، ويدخل التفرّغ إلى الجامعة اللبنانية؟ليس التفرّغ للمتعاقدين في الجامعة اللبنانية مجرّد ملف إداري ينتظر قراراً، ولا استحقاقاً وظيفياً يُضاف إلى ملفات عالقة. خلف هذا الملف أعوامٌ من العمر، وأعوامٌ من العطاء، وأعوامٌ من الانتظار.أستاذٌ يدخل إلى قاعة المحاضرة، يحمل علمه ومسؤوليته، ويقف أمام طلابه بكل ما لديه من شغف وإيمان برسالة الجامعة، فيما يبقى مستقبله هو معلّقاً بين وعدٍ مؤجّل وقرارٍ لم يأتِ بعد.وكأنّ قول جبران خليل جبران: "إنما حين تعطي من ذاتك، تكون قد أعطيت حقاً"، يختصر شيئاً من مسيرة الأساتذة المتعاقدين. فهؤلاء أعطوا من وقتهم، ومن أعمارهم، وواصلوا رسالتهم الأكاديمية رغم الأزمات لأنهم يعرفون أن الجامعة اللبنانية تستحق التضحية والوفاء.هناك متعاقدون أمضوا أكثر من خمسة عشر عاماً في الجامعة. خمسة عشر عاماً ليست رقماً في ملف، بل جزءٌ من العمر. هي دفعاتٌ من خريجين، وأبحاثٌ، وامتحاناتٌ، وساعاتٌ طويلة في التعليم والإشراف، وأيامٌ صعبة بقي فيها الأستاذ إلى جانب جامعته مهما اشتدّت العواصف، ومهما ضاقت السبل.وفي أغنيات فيروز التي تسكن وجداننا، يبدو الانتظار كأنّه نافذةٌ مفتوحة على ضوءٍ بعيد؛ حزنٌ لا يخلو من الرجاء، وتوقٌ يرفض أن ينطفئ رغم الغياب. لكنّ الانتظار، حين يطول أكثر مما ينبغي، لا يعود أغنيةً عابرة، بل يصبح جزءاً من حياة الإنسان. وما يعيشه الأساتذة المتعاقدون ليس انتظاراً رومانسياً لخبرٍ جميل، بل انتظارٌ يثقل القلب، و يمسّ استقرارهم وقدرتهم على التخطيط لمستقبلهم. لذلك لا يطلب أساتذة الجامعة اللبنانية اليوم سوى أن تُقابل سنوات عطائهم بحقّ أصبح أكثر إلحاحاً، وأن تتحوّل هذه السنوات الطويلة من الانتظار إلى استقرارٍ يليق بالعطاء. هم لا يطلبون فضلاً، ولا يبحثون عن امتياز خارج العدالة؛ إنّهم يطلبون أن تُرى سنواتهم، وأن يُسمع صوت تعبهم. ولعلّ في قولٍ شائع : "قد يكون ما نطلبه هو ما يطلبنا" ما يشبه هذا الملف. فكما يحتاج الأستاذ إلى الجامعة، تحتاج الجامعة أيضاً إلى أساتذتها، إلى خبراتهم، إلى كفاءاتهم، وإلى استمراريتهم. لذلك، لا ينبغي أن يُنظر إلى التفرّغ على أنه مطلب وظيفي فقط، بل خطوة تحفظ استقرار الجامعة اللبنانية نفسها. فالجامعة لا تستقرّ من دون استقرار أساتذتها. والجامعة لا تُبنى بالحجر وحده، ولا بالمناهج وحدها. الجامعة هي "الإنسان": الأستاذ الذي يعلّم، والطالب الذي يتعلّم، والباحث الذي يحلم، وكل من يؤمن بأن العلم هو أحد أجمل وجوه الوطن.من هنا، فإن إنصاف الأساتذة المتعاقدين هو قبل كل شيء إنصافٌ للعطاء، وللعلم، وللجامعة اللبنانية التي كانت وما زالت مساحةً وطنيةً جامعة.عسى أن يطلّ الصباح حاملاً إلى زملائنا بشائر الفرج، لنقول من القلب: آنَ للانتظار أن ينتهي....وآنَ للعطاء أن يجد أمانه...