كانت صورة مظلوم عبدي في القصر الرئاسي، في دمشق، معبّرة جداً، ترافقه إلهام أحمد. بثبات وأناقة، خَطَوا خطواتهما على أرض أرادا لها أن تكون ثابتة، بينما المنطقة كلها تهتز على إيقاع صراع المحاور. جاء مظلوم من بعيد جداً، من صداقة الكرد للجبال، وملازمة القضية والبحث عن وطن. عاد إلى دمشق، مع كل ما يملك من إمكانات تنظيمية أو تسلحية أو مالية، ومع كل ما حازته قوات سوريا الديمقراطية من دعم دولي على مدى سنوات. وأكثر ما في الزيارة من تعبير، اختار الرجل صداقة أحمد الشرع، وصداقة الواقع القائم والمستجد، والذي لا مجال للتضحية به. لم يخرج مظلوم عبدي مع تغير الظروف مهزوماً. ولم يسمح لها بأن تذيبه في قتال لا ينتهي ولا في خروج على إجماع داخلي أو خارجي. كان ذلك أحد أهم الانجازات التي حققتها سوريا إلى جانب إنجاز رفعها عن لائحة العقوبات، واستعادة العلاقات مع القوى العربية والدولية. ربح مظلوم عبدي "مسؤوليته"، في لحظة يمكنها أن تضخ المزيد من الحياة في سوريا الجديدة التي أعلن استعداده للانضمام إلى مشروع بنائها. ولدى الكرد كثير مما يمكن تقديمه في هذا الصدد، بكل ما امتلكوه من خبرة، تنظيم، وفعالية لدور المرأة في المجتمع والمؤسسات. كان الخيار الذهاب إلى حياة وحيوية، بدلاً من البقاء عند حافة القتال والانقسام. والأهم في ما جرى، توقيته وهدفه، بما يمكنه أن يحصّن سوريا أكثر على وقع اهتزاز المنطقة من حولها وفي مواجهة تحديات كثيرة محدقة بها. اختيار الوحدة السورية والحفاظ على نسيجها الاجتماعي والثقافي وحماية كل المكونات ونيلها حقوقها، يبقى الانتصار الأبرز أمام أي انتصارات ضيقة أخرى. والمؤكد أن الكرد الذين خبروا القتال والتعامل معه، وتعايشوا مع الأفخاخ أو مع خيبات الزمن، هم أكثر الذين عرفوا قراءة الطوالع، بأن لا مجال لاستنساخ تجربة "كردستان العراق" في سوريا، وهنا كان منسوب المسؤولية مرتفعاً. الرحلة ستكون طويلة في سوريا، وما جرى سيدفع مكونات أخرى للانضمام إلى مشروع توحيدها وحمايتها، في مواجهة مشاريع تهديدها. جاءت الخطوة لتقطع الطريق على أي محاولة إسرائيلية لشرذمة سوريا وتفتيتها أو تقسيمها، وهي ستضعف "طموحات" الكثيرين الذين أرادوا بناء مشاريع مشابهة لمشروع قسد، كما جاءت في أعقاب تهديدات إسرائيلية علنية بعدم الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة. إنها خطوة قطعت الطريق على مشروع يهدد دمشق، لكنها فتحت طرقاً كثيراً على مشاريع مستقبلية في الربط ما بين دمشق وشمال شرق سوريا، مع ما يعنيه ذلك من اكتناز مشاريع في مجالات الزراعة، التجارة، الطاقة والنفط. وهذا لا ينفصل عن مسار انفتاح بين دمشق وبغداد، ومشاريع مشتركة وفتح ممرات ومعابر، لن يكون لبنان بعيداً عنها. خطت سوريا خطوة على طريق تعزيز وضعيتها الداخلية، وهي تحتاج إلى خطوات كثيرة. خصوصاً في ظل صراع المحاور الذي تعيشه المنطقة، وقد تبقى آثاره قائمة فوق الأراضي السورية وداخل مؤسساتها وعلى طرقها وممارتها ومواردها الطبيعية. فلإسرائيل مشروعها ومطامعها، ولتركيا حضورها ورؤيتها التي تريد لها أن تتعزز في دمشق كما في بغداد وبيروت، وهي تبحث عن نقاط التقاء مع جهات غربية وعربية. الأمر نفسه تسعى إليه إسرائيل من خلال الضغط العسكري والاستثمار به سياسياً. ففي سوريا مشاريع لدول كثيرة، بعضها يتلاقى ويتقاطع، وبعضها الآخر يتنافس ويتخاصم. فيها استثمارات أميركية، سعودية، قطرية، تركية، وإماراتية. لبنان أيضاً، يجد نفسه أمام صراع المحاور، وطموحات استثمارية كثيرة. دول كثيرة تبدي استعدادها للدخول والاستثمار، من أميركا إلى إيطاليا، فرنسا، السعودية، قطر، تركيا ومؤخراً الإمارات من خلال الوفد الكبير الذي يزور بيروت. كل ذلك يجري على وقع المزيد من التصعيد الإسرائيلي وممارسة الضغوط للاستثمار بالضغط العسكري سياسياً واقتصادياً لاحقاً، خصوصاً أن تل أبيب ومع كل جولة مفاوضات تصرّ على تسريب أخبار حول طموحاتها بالشراكة والتعاون الاقتصادي مع لبنان، وهنا المقصود ملفات النفط، وربما لاحقاً مشاريع أخرى. يختار لبنان الالتحاق بقطار المنطقة. بالأمس كان يبحث الربط السككي مع سوريا، وإعادة تأهيل خط طرابلس حمص، كما أن هناك مشروعاً آخر مقترحاً للربط السككي بين بيروت ودمشق مروراً بالبقاع. وللبنان طموحات نفطية وطاقوية أيضاً، كتفعيل خط البصرة نحو البداوي. فالصراع في المنطقة ليس عسكرياً فقط، ولا هو على الجغرافيا أو الديمغرافيا فحسب، بل على خطوط الربط والمرور، ومنابع الطاقة وأنابيبها. وفي صراع المحاور هذا، سيكون على لبنان أن يختار. حتى الآن لا يبدو أن لبنان قد حسم خياره، لكنه يرمي الكرة على عاتق الأميركيين وما سيقررونه له.