تترك أنشطة المستخدم اليومية وراءها كميات كبيرة من البيانات: عمليات شراء، اشتراكات، سجل وظيفي، منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ومعلومات عن الأماكن التي يزورها. أجزاء من هذه البيانات تجمعها شركات متخصصة وتبيعها ضمن سوق تجارية قائمة منذ سنوات. دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذه السوق يضيف مستوى مختلفاً من المخاطر. بدلاً من البحث يدوياً بين مصادر متعددة، تستطيع الأنظمة جمع البيانات المتفرقة وربطها وتحليلها بسرعة، وصولاً إلى بناء ملف يكشف اهتمامات الشخص وعلاقاته وروتينه وبعض تفاصيل تحركاته. المسألة إذاً لا تتعلق بالضرورة بالحصول على معلومة سرية جديدة، بقدر ما ترتبط بما يحدث عندما تجتمع معلومات متناثرة عن شخص واحد في مكان واحد. وفي الولايات المتحدة، تحولت هذه الفكرة إلى تجربة عملية أثارت قلق موظفين ومشرعين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي. وبحسب تقرير نشره موقع "Politico"، نظمت منظمة CivAI غير الربحية خلال الأشهر الماضية عروضاً أمام عشرات المكاتب في الكونغرس، أظهرت خلالها كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الاستفادة من قواعد البيانات التجارية ومصادر أخرى لإعداد ملفات مفصلة عن أشخاص عاديين. ووصل بعض الملفات إلى عرض طرق محتملة لاستغلال المعلومات في الابتزاز أو الإكراه أو الملاحقة. تبدأ التجربة بواجهة بحث تتيح إدخال اسم أو بريد إلكتروني أو رقم هاتف أو رابط لحساب شخصي. بعدها يبحث النظام عبر مصادر وقواعد بيانات مختلفة لجمع المعلومات وربطها. ومن الأمثلة التي استخدمتها المنظمة طلب العثور على مسيحيين يرتادون الكنائس في مدينة جينسفيل بولاية ويسكونسن، ثم إعداد ملف مفصل عن أحدهم. ويستطيع النظام جمع معلومات عن الاهتمامات ومنشورات التواصل الاجتماعي وشبكة العائلة والأصدقاء. وفي أحد العروض، ظهرت كلمات مرور مرتبطة بالبريد الإلكتروني لصاحب متجر أسلحة، كانت موجودة في قواعد بيانات تجارية نتيجة تسريبات سابقة. كما قال موظفون شاهدوا العروض إن الملفات أظهرت معلومات مرتبطة بتاريخ العلاج النفسي وزيارات إلى عيادات الإجهاض ومكاتب مشرعين. وتضمنت نهايتها قسماً يحدد نقاط ضعفٍ محتملة وطرقاً يمكن استخدامها للمضايقة أو الابتزاز أو الملاحقة. في اختبار آخر، جمع النظام معلومات عن متطوعة في كنيسة بولاية ويسكونسن، بينها مكان إقامتها وحساباتها على التواصل الاجتماعي وعادات التسوق، إلى جانب نمط أسبوعي يرتبط بساعات التطوع والتنقل إلى العمل.وعرض اختبار آخر ملفاً عن شخص يرتاد كنيسة في نورث كارولاينا، تضمن مواقع المنزل والعمل وحانة قريبة يتردد إليها، إلى جانب زيارات منتظمة إلى استوديو لليوغا ومتنزه ومطعم. إلا أن بيانات الموقع المستخدمة في هذا الجزء كانت محاكاة تستند إلى عينات تقدمها شركات البيانات الى عملاء محتملين، فيما أخفت المنظمة البيانات الشخصية خلال عروضها. قدرة النظام على جمع المعلومات لا تعني أن النتائج صحيحة بالكامل. ففي أحد الاختبارات، عثر على صور حقيقية للشخص المستهدف وحدد بصورة صحيحة بعض اهتماماته، ومنها سلسلة ألعاب Super Smash Bros والطعام الحار، لكنه أخطأ في معلومات تتعلق بعنوانه وعمره ومهنته. وأرجعت المنظمة الأخطاء إلى استخدام اشتراكات مخفوضة التكلفة في قواعد البيانات، مشيرة إلى أن جهة تمتلك موارد أكبر يمكن أن تصل إلى بيانات أعلى جودة. وتبلغ تكلفة اشتراكات وسطاء البيانات المستخدمة في التجربة نحو 500 دولار شهرياً. ملف محاكاة أعدّته CivAI يجمع بيانات من وسطاء المعلومات والتسريبات والويب والموقع، لكشف روتين الأشخاص ومعلوماتهم المهنية وأنماط كلمات المرور المحتملة. (الصورة: POLITICO) المشكلة في الذكاء الاصطناعي أم سوق البيانات؟ بُنيت التجربة خلال نحو أسبوعين باستخدام نموذج GLM-5.1 الصيني المفتوح المصدر. ورغم أن شروط استخدام Z.ai، الشركة الأم وراء النموذج، تحظر استخدام خدماتها لانتهاك حقوق الخصوصية، تمكنت المنظمة من تنفيذ التجربة من دون قيود أعاقت عملها. وهنا يبرز خلاف حول الطرف الذي ينبغي تنظيمه. نيل تشيلسون، رئيس سياسة الذكاء الاصطناعي في Abundance Institute، يرى أن تنظيم التقنية نفسها لن يعالج المشكلة، خصوصاً مع صعوبة فرض القيود على النماذج المفتوحة المصدر، ويطرح تعزيز حماية الخصوصية والحد من الوصول إلى بيانات الوسطاء التجاريين كمسار أكثر فاعلية. أما في الكونغرس، فأعادت العروض النقاش حول قدرة الوكالات الفيدرالية على شراء معلومات الأميركيين من وسطاء البيانات من دون مذكرة قضائية، وسط قلق مشترك بين جمهوريين وديموقراطيين من توسع إمكانات المراقبة. وتضع هذه التجربة جوهر المشكلة في مكان واضح: بيانات محدودة ومتفرقة يمكن، بعد جمعها وربطها بالذكاء الاصطناعي، أن تتحول إلى ملف يرسم تفاصيل واسعة عن حياة صاحبها وتحركاته وعاداته وعلاقاته.