في أيام قليلة، تحركت خريطة الكوارث من آسيا إلى أوروبا. في جبال الهيمالايا، خلّف انهيار جليدي هائلاً سيولاً كارثية في النيبال والتبت. وفي اليابان، تحولت الأمطار الاستثنائية إلى فيضانات وانهيارات أرضية. ثم وصلت صور أخرى من أوروبا: إعصار قمعي في جنوب فرنسا، وعواصف رعدية عنيفة، وبَرَد بلغ قطر بعض حباته نحو 10 سنتيمترات في كاتالونيا الإسبانية. العلم لا يضع هذه الأحداث كلها في سلة واحدة. لكل كارثة محركها الجوي أو الجيولوجي المباشر. لكن القاسم المشترك الذي يثير قلق علماء المناخ هو البيئة التي تحدث فيها: غلاف جوي أكثر حرارة ورطوبة، محيطات شديدة السخونة، وظاهرة "إل نينيو" قوي يتجه نحو ذروته في الخريف. في مدينة هيمي بمحافظة توياما اليابانية، هطل 361.5 مليمتراً من المطر خلال 24 ساعة، فيما أصدرت وكالة الأرصاد اليابانية أعلى درجات التحذير، المستوى الخامس، في أجزاء من توياما وإيشيكاوا. وطُلب من أكثر من 380 ألف شخص الانتقال إلى مناطق آمنة بعدما فاضت الأنهار وحدثت انهيارات طينية، وفقاً لتقرير نشرته "غارديان" البريطانية. التفسير الجوي المباشر واضح نسبياً: كميات ضخمة من الرطوبة تدفقت من بحر اليابان، وتكوّنت نطاقات مطرية شديدة التركيز. وقبلها بأيام كان إعصار "ساوديل" قد مر بجنوب غربي اليابان مصحوباً برياح وأمطار غزيرة. هذه الصورة مهمة لأن ارتفاع حرارة الهواء يزيد كمية بخار الماء التي يستطيع حملها. ويقدّر تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالرطوبة ترتفع بنحو 7 في المئة مع كل درجة مئوية إضافية من الاحترار. لذلك، عندما تتوافر آلية ترفع الهواء وتكوّن السحب، تصبح هناك كمية أكبر من المياه يمكن أن تسقط خلال فترة قصيرة. وتؤكد الهيئة أن التأثير البشري ساهم بالفعل في اشتداد الأمطار الغزيرة المرصودة في آسيا وأوروبا. أوروبا: وصفة مثالية للعواصف الشديدة في غرب أوروبا اجتمعت ثلاثة مكونات شديدة الفاعلية: منخفض جوي تحرك بمحاذاة الساحل الغربي للقارة، وعدم استقرار جوي مرتفع، وقصّ رأسي قوي للرياح، أي تغير واضح في سرعة الرياح أو اتجاهها كلما ارتفعنا في الغلاف الجوي. هذه البيئة مثالية لتكوين العواصف الرعدية المنظمة والخلايا الفائقة القادرة على إنتاج البَرَد الكبير والأعاصير القمعية. وفي قرية بوماس الفرنسية، ألحق إعصار قمعي أضراراً بنحو 300 منزل وأصاب 39 شخصاً، وسُجلت في المنطقة هبات تجاوزت 100 كيلومتر في الساعة. أما في كاتالونيا فسُجل بَرَد وصل قطره إلى نحو 10 سنتيمترات، وفقاً لوكالة أسوشيتد برس". هنا تبرز إحدى أهم الفروق العلمية: الاحترار العالمي يزيد الطاقة والرطوبة المتاحتين للعواصف، كما تتوقع النماذج ازدياد البيئات ذات عدم الاستقرار القوي في مناطق عدة. لكن العلماء ما زالوا أكثر تحفظاً في ربط "إعصار قمعي منفرد أو موجة بَرَد محددة" بتغير المناخ. تصنف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الثقة في الاتجاهات الطويلة الأمد للأعاصير القمعية والبَرَد بأنها منخفضة، لأن تكوين هذه الظواهر يعتمد أيضاً بشدة على القص الهوائي والديناميات المحلية. مع ذلك، أعطت دراسة أوروبية حديثة مثالاً لافتاً: عند مقارنة ظروف عاصفة بَرَد ضربت غرب أوروبا عام 2025 بمناخ أبرد في الماضي، وجد الباحثون زيادة تقارب 200 جول/كغ في طاقة الحمل الحراري (CAPE)، مع ارتفاع احتمال البَرَد بنحو 30% في المناخ الحالي، بحسب Royal Meteorological Society. كارثة نيبال مختلفة. تشير صور الأقمار الاصطناعية والتحليلات الأولية إلى انهيار جزء كبير من نهر جليدي من ارتفاع يقارب 5200 متر، وسقوطه نحو 1200 متر إلى الوادي، مولداً سيلاً من الجليد والصخور والطين. عالم الأرض دان شوغار من جامعة كالغاري رصد ذوباناً سريعاً للثلوج قبيل الانهيار، لكنه شدد على أن تحديد مقدار مساهمة تغير المناخ في هذا الانهيار تحديداً يحتاج إلى دراسة إضافية. نشر الجيش النيبالي مروحيات ومستجيبين للكوارث في المنطقة المتضررة بالفيضانات. (أ ف ب) السياق، مع ذلك، مقلق: تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أنهار نيبال الجليدية ذابت خلال العقد الأخير بسرعة أعلى بنحو 65 في المئة مقارنة بالعقد السابق. الحرارة تضعف الجليد والتربة الصقيعية والصخور، فتزداد احتمالات الانهيارات والسيول الجليدية المتسلسلة. التطور الأهم أن "إل نينيو" موجود بالفعل ويشتد. وفي 13 آب/أغسطس، رفع مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) احتمال تحوله إلى حدث "شديد جداً" خلال خريف وشتاء 2026-2027 إلى "أكثر من 90%. وتقدّر احتمالاً يبلغ 69% لأن تبلغ شدته بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر مستوى تاريخياً يفوق +2.5 درجة وفق مؤشر RONI. يقول ناثانيال جونسون، عالم الأرصاد في مخ