يختتم المخرج البريطاني داني بويل فيلمه بمشاهد أشبه بعاصفة هوجاء تعبّر عن عالمنا الحالي. كأنه يريد أن يغادر بنا وسط الصخب نفسه الذي أدخلنا به إلى عالم الصحافة البريطانية في أواخر الستينات: مطابع تهدر، عناوين صارخة، موسيقى روك، هواتف ترن بلا انقطاع، صحافيون متحمّسون، وأخبار تتوالد بسرعة. فيلمه "حِبر" الذي افتتح أمس مهرجان البندقية السينمائي في دورته الثالثة والثمانين (12 - 2 الجاري)، والمقتبس من مسرحية بالعنوان نفسه لجيمس غراهام، هو في ظاهره حكاية صعود صحيفة "ذا صن" تحت إدارة لاري لامب، لكنه في جوهره ينبش في نشأة صحافة التابلويد، وفي اللحظة التي بدأت فيها الصحافة تنتقل من صناعة الخبر إلى صناعة الرغبة في قراءته، وصولاً إلى ما ورثناه منها في عالمنا الحالي. دخلتُ إلى الصالة في العرض الصحافي، وكان زميل قد مازحني بالقول إننا لن نشاهد بعد الآن "تحفاً فنية… فأورسون ولز ما عاد حيّاً". وها أننا وجدنا أنفسنا أمام فيلم يلمّح، في بعض لحظاته، إلى "مواطن كاين" وإلى قطب الإعلام وليام راندولف هرست. لكن الفارق أن بويل لا يريد أن يصنع فيلماً عن أمبراطور إعلامي، وإنما عن أولئك الذين بنوا، معه وحوله، آلة إعلامية ستتحوّل، بعد عقود، جزءاً من الاعلام المهيمن. روبرت مردوخ (غاي برس) في احدى اطلالاته التلفزيونية. "1969 العام الذي وطئ فيه الإنسان القمر، والعام الذي أطلق فيه روبرت مردوخ ولاري لامب صحيفة ستغيّر وجه الإعلام البريطاني، وربما العالم، على نحو كان أثره أقوى من أحداث كثيرة احتفت بها تلك السنة". هكذا يقدّم بويل فيلمه الجذّاب موضوعاً وتنفيذاً. ويضيف: "قبل وقت طويل من "فوكس نيوز" و"كليكبايت" و"تروث سوشل"، وقبل عقود من "تويتر" و"غوغل" و"فايبسوك" و"أونلي فانز"، أنشأ هذان الرجلان صحيفة تابلويد جديدة أصبحت، رغم كلّ الصعاب، الصحيفة الأكثر مبيعاً في العالم". بميلها إلى الشعبوية، ضربت "ذا صن" عرض الحائط بكثير من المعايير التي كانت تحكم الصحافة آنذاك. كان السؤال التقليدي في غرف الأخبار يقوم على الـ"ماذا حدث؟ مَن فعل؟ أين؟ متى؟ ولماذا؟"… لكن لاري لامب أراد شيئاً آخر: صحافة تقدّم قصّة، وما يريد الناس معرفته، بدلاً ممّا تعتقد المؤسسة الصحافية أن عليهم معرفته.في الفيلم مواجهة بين مفهومين للصحافة: واحدة تروي، وأخرى توثّق. لامب مقتنع بأن الناس يبحثون دائماً عن تفسير، وأنهم يريدون أن يسمعوا رواية حتى عندما لا تكون هناك رواية. وحين يصبح الـ"لماذا" معلوماً، ينتهي الخبر ويفقد غموضه. يوم اشترى فيه مردوخ "ذا صن"، أراد صحيفة تجعل القارئ "يشعر بأنه حيّ"، وبأن ما يقرأه يعنيه مباشرةً. هكذا بدأ صعود الأمبراطورية على سواعد أرقام التوزيع والمبيعات: التلصّص، الإثارة، تجميل الأخبار، انتهاك الخصوصية، واستثمار المكبوت الجنسي. كلّ هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن الصحافة لم تخترع هذه الوقائع من العدم، ولكن انتشتلها من الحياة ووضعتها أمام القارئ. والسؤال الذي يطرحه الفيلم، في العمق، ليس فقط ماذا فعلت "ذا صن"؟ وإنما: ماذا يقول نجاحها عن المجتمع الذي يقرأها؟ لهذا تبدو أواخر الستينات وبداية السبعينات حاسمة. إنها سنوات تشكّل وتحوّلات وأفكار جديدة، وكانت "ذا صن" تعرف كيف تلتقط هذه التحولات وتستثمرها وتدفع بها إلى أقصى حدودها، وإن لم تكن فكرة الصحافة الصفراء قد ولدت معها. أبطال هذه الصحافة هم طفل يُؤخَذ رأيه في موضوع جدّي، وعارضة أزياء تعرض مفاتنها، وأناس عاديون يجدون، للمرة الأولى، شيئاً من أنفسهم في صفحات الجريدة. لامب العصامي يصف بريطانيا، في بداية الفيلم، بأنها بلد لا يحب الجديد، وبأن ثقافة شعبها تقوم على التعوّد. لذلك، كما يقول، لن تلقى "ذا صن" الترحيب. لكن الفيلم يثبت أن تقديره كان خاطئاً: التقنية المناسبة، في الزمن المناسب، وبالإمكانات المناسبة، قادرة على تغيير عادات الجمهور وإعادة تشكيل ذائقته. الفيلم في معظمه يحدث في مطبخ التحرير ومكاتب الصحيفة: كيف انتقلت "ذا صن" من صحيفة محتضرة إلى الصحيفة الأكثر مبيعاً في العالم على يد لاري لامب وروبرت مردوخ. لكن لا تتوقّعوا فيلماً غارقاً في النقاشات والتنظيرات. نحن أمام فيلم أكشن. حتى مَشاهد الطبع تتحوّل إلى مشاهد إثارة، والآلة الصحافية تصبح آلة سينمائية. المطابع تهدر، الصفحات تتوالد، العناوين تُصاغ تحت الضغط، الفكرة والكلمة تنتشران بسرعة الضوء، وكلّ شيء يسير بإيقاع يطابق إيقاع الفيلم. وسواء كان بويل يدين هذه المدرسة الصحافية أم لا، فإن هذه المَشاهد تحمل شيئاً من التحية إلى صناعة عاشت لحظتها الذهبية، ثم شهدت أفولاً متسارعاً في العقود الأخيرة، ومع ذلك لا تزال صامدة. أكبر أعداء "ذا صن" آنذاك كانت "دايلي ميرور"، الصحيفة التي احتلّت صدارة المبيعات في تلك المرحلة. والمواجهة معها تأخذ في الفيلم شكلاً شخصياً، لا سيما في مشهد حفل تكريم ينقلب