انتهت المعارك الانتخابية الإسرائيلية التي تقوم على فكرة الصراع بين يسار ويمين سياسي في العام 1996 وحشرجت بشكل نهائي في انتخابات العام 1999 عندما شهدت الحكومة تقلبات بين كل من بنيامين نتنياهو وإيهود باراك وأرييل شارون. وبعدها في انتخابات العام 2003 كان الأمر قد حسم لمصلحة اليمين تماماً بترؤس شارون وبعده إيهود أولمرت الحكومات في ظل حزب كديما اليميني الذي حاول عرض نفسه كحزب وسط. وعاد اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو للحكم في العام 2009 وبقي فيه متربعاً حتى الآن باستثناء فترة قصيرة من منتصف العام 2021 إلى نهاية العام 2022 عندما تقاسم نفتالي بينت ويائير لبيد رئاسة الحكومة. وعملياً صار بنيامين نتنياهو أطول رئيس حكومة خدمة في تاريخ الدولة العبرية. ولم يكن نتنياهو مجرد زعيم يحاول البقاء في الحكم أطول فترة ممكنة بل كان الزعيم الذي سعى، بشكل ممنهج، لتسييد منهج اليمين المتطرف وصولاً إلى اليمين الكهاني على كل المناهج الصهيونية الأخرى. والواقع أنه حسم الصراع بشكل تدريجي وواضح بين ما كان يعرف في إسرائيل باليمين واليسار وأحال كل ما عدا اليمين، حتى المتطرف منه، إلى مجرد هوامش. وهذا يثبت القاعدة التي كثيرا ما كان يشار إليها منذ إعلان الدولة اليهودية من أنها تشهد انزياحا دؤوبا نحو اليمين. وتقريبا اختفى من المشهد الإسرائيلي ليس فقط ما كان يعرف باليسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل أيضا الوسط الليبرالي الديمقراطي. وصارت الغلبة واضحة لليمين الديني والكهاني لدرجة أن كثيرين باتوا يتحدثون عن اقتراب من "دولة شريعة" بفضل الكثير من القوانين التي سنت مؤخرا في الكنيست. والمسألة لم تعد في الانتخابات التي ستجري في نهاية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل مسألة من سيفوز فيها وإنما أساسا أي وجهة ستتخذ: يمينا كهانياً متطرفاً أم يمين أقل تطرفاً. والأمر لا يعتمد على رؤية الأحزاب وقادتها وإنما أساسا على موقف الجمهور الإسرائيلي الذي بات عبدا لمواقف وأصنام صنعها بنفسه على مر السنين. وتكفي مراجعة سريعة لمواقف الجمهور الإسرائيلي من قضايا الحرب والسلام خصوصاً مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع لمعرفة الوجهة. فغزة في نظر الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين خصوصاً بعد السابع من أكتوبر شوكة لا تزال حادة في خاصرة الدولة العبرية واجبة الإزالة. كما أن الاستيطان والعربدة في الضفة الغربية خلقا تحولات ديمغرافية رسمت في ظل حكومات اليمين المتعاقبة واقعا بالغ التعقيد. وهناك رؤية الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش للحسم في الضفة والتي تجد من يساندها في أغلب جهات الحكم واليمين وهي الخطة الوحيدة المعروضة. إن أغلبية الإسرائيليين ترى في تهجير الفلسطينيين من غزة الحل الأمثل حتى بعد أن تبين أن تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان فارغا من أي مضمون. والتهجير في الضفة الغربية هو الحل المطلوب عند الصهيونية الدينية لكنه يصطدم بواقع إقليمي ودولي يدفع كثيرين حتى من قادة اليمين للتفكير بقبول تقسيم الضفة. أي ضم ما يمكن ضمه والسماح بحكم محدود للفلسطينيين المتبقين على أرضهم من ناحية ثانية وبشروط إسرائيلية. باختصار ينقسم الإسرائيليون أنصار اليمين إلى قسمين: ضم الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين إلى الدول العربية، وضم المستوطنات وما يحيط بها والسماح بحكم فلسطيني في ما تبقى لمنع المساس بيهودية الدولة. وحسب الاستطلاعات المنشورة فقط 27% من الإسرائيليين يؤيدون قيام دولة فلسطينية من دون نسيان حقيقة أن العرب يشكلون حوالي 20 % من سكان الدولة العبرية. يمكن القول أن كل من بقي من أنصار اليسار والوسط الليبرالي وأمام الوجهة التي تسير نحوها إسرائيل آثروا الاتحاد والانضواء تحت لواء حزب "الديمقراطيين" الذي يرأسه الجنرال يائير غولان. ويضم هذ الحزب أنصار حزب العمل التاريخي وكذلك حركة ميرتس وليبراليين من هنا وهناك. وبحسب الاستطلاعات ينال هذا الحزب حوالي عشرة مقاعد من 120 مقعدا في الكنيست. وإلى جانب هؤلاء توحد العرب في قائمتين أولاهما ضمت جبهة "حداش" وقائمة الدكتور أحمد الطيبي والتجمع الوطني الديمقراطي وتمنح الاستطلاعات هذه القائمة ما بين 7 -8 مقاعد. أما الثانية فهي القائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور عباس منصور الذي يحاول أن يبني جسوراً مع الأغلبية اليهودية بضم عضو كنيست يهودي مؤهل لتولي وزارة الأمن الداخلي بسبب خدمته القيادية السابقة في الشرطة. وتمنح الاستطلاعات القائمة الثانية هذه 5-6 مقاعد.وهناك الأحزاب الحريدية الاشكنازية المتحدة في "يهدوت هتوراه" وتنال حوالي 8 مقاعد وفق الاستطلاعات وحزب شاس الحريدي الشرقي "شاس" الذي ينال 7 مقاعد والمعرض للمنافسة من أحزاب اليمين الأخرى. وفي مقابل كل هؤلاء يوجد حالياً الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الذي يقود كتلة من الأحزاب اليمينية الأخرى الأشد تطرفاً منه وعلى رأسها "عوتسما يهودي